اهتمام غير مقصور على التصوف الإسلامي بل إنه اهتمام تبدى في " أنواع أخرى من التصوف كالتصوف المسيحي الذي تعد المعرفة فيه عندهم هدف القديسين الذين هم جميعا مشغولون كما يقول " هكسلى " بموضوع واحد هو الحقيقة الروحية وبالوسائل التي تمكنهم من الاتحاد بها 50 ، وهي فكرة واضحة كذلك في التصوف البوذي مع عدم وضوح فكرة الألوهية فيه 51 وقد اهتم ابن عربى بالحديث عن المعرفة الإلهامية اهتماما كبيرا وتناولها بالبيان والتوضيح في مواطن كثيرة من كتبه بل خصص لها بعض رسائله مثل " مراتب علوم الوهب " 52 كما بدأ بها كتابه الضخم " الفتوحات المكية " حيث تحدث عنها بعد الفهرس مباشرة 53 وثقته فيها تامة وشاملة حيث يجعل لها الإحاطة بالعلوم كلها 54 .
من ضوابط المنهج العرفاني عند الصوفية :
1 ) أن المعرفة الصوفية لها مجالها وحدودها :
يعرف السالك وفقا للمعرفة الذوقية الإلهامية الخير من الشر ويعرف غاية من الخلق . . وهو يعرف كل ذلك على حقيقته كما يرد على قلبه بفضل اللّه تعالى ، حيث إن العقل لم يصل فيها لشيء غير التسليم والتصديق لما ورد به الشرع ، وأما الصوفية العارفون فإنهم يقفون على حقيقتها . وإذا كان العقل قد يقع أحيانا في الشك في الحقائق الدينية ، وإذا كان الحس قد يكفر بها لكونها لا تقع تحت وسائله فإن القلب وحده يكون على يقين منها ، بحيث تنعكس حقائق الأشياء على قلبه " 55 .
( 2 ) أنه مضبوط بضوابط الشرع ( أي أن مجاهداته مسبوقة ومقرونة بطاعة اللّه ، وليس فيها ما يخالف أحكام الشريعة ) :
ومما يعين السالك أو المريد أو الصوفي على تمحيص خواطره وضبط معارفه واستقامة ما يرد على قلبه من الإلهام أن يعرض ذلك كله على الشريعة ، وهذا من الشروط والضوابط التي دعا الصوفية إلى ضرورة مراعاتها ، فالتسترى يقول : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة باطل ، والدارانى يقول : ربما تنكت ( تخطر ) الحقيقة على قلبي أربعين يوما ، فلا آذن لها إلا بشاهدين من الكتاب والسنة 56 ، ويقول أبو الحسن الشاذلي : إذا تعارض كشفك مع الكتاب