والسنة فتمسك بالكتاب ودع الكشف ، وقل لنفسك : إن اللّه تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهدة إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة 57 وإنما كان اللجوء إلى الشرع دون سواه ؛ لأن القياس ينبغي أن يكون إلى شيء معصوم موثوق بصحته ، لم يجر عليه تغيير ولا تبديل ، ولا ينطبق ذلك إلا على شرع اللّه وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ويتضح من هذا الشرط أن القائلين به يرفضون ما قاله بعض المنتسبين إلى التصوف من أن ما يرد عليهم من الخواطر أو ما قد يسمونه الحقائق يمكن أن يخالف ما جاءت به الشريعة لأن التصوف مشيد على الكتاب والسنة ، كما قال الجنيد ، وإذا ادعى أمثال هؤلاء أنهم من الواصلين فهم قد وصلوا فعلا ، ولكن إلى سقر أو جهنم كما يقول الصوفية :
ما نال من جعل الشريعة جانبا * شيئا ولو بلغ السماء مناره
وكلامهم في هذا المجال طويل ، وقد كان موضع ثناء بعض المفكرين من ذوى الاتجاه السلفي كابن تيمية وابن قيم الجوزية 58 .
3 ) أنها لا ينبغي ألا تتناقض مع العقل :
وعلى الرغم من أن الصوفية يقولون إن العقل ليس هو القوة العليا في الإنسان وأنه يمكن أن توجد فيه قوة أعلى منه ، يتم عن طريقها تلقى المعارف الإلهامية واستقبالها ، فإنه قد جاءت لديهم أو لدى بعضهم ، على الأقل إشارات عن ضرورة ألا تكون المعرفة الصوفية مضادة للعقل ، أو تدخل في نطاق ما يقول العقل باستحالته ، وقد كان الغزالي من أصرح القائلين بذلك حيث ذهب إلى أنه " لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضى العقل باستحالته " 59 .
ومن أجل ذلك رفض ما ادعاه بعض الصوفية من حلول ذات الرب - جل جلاله - في عباده أو اتحاد الرب - تعالى وتقدس - ببعض عباده ، وهذا أمر لا يقبله العقل ؛ لأن الحقائق مختلفة ، فلا تكون هذه الحقائق المختلفة شيئا واحدا . وقد فرق الغزالي بين ما يقول العقل باستحالته أو ما هو ضد العقل ، وما يمكن أن يكون فوق مستوى العقل ، فرفض الأول ولم يرفض الثاني ، وضرب مثالا لكل منهما ، فقال :
نعم ، يجوز أن يكاشف الولي بأن فلانا سيموت ، وهذا لا يدرك ببضاعة العقل ،