تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
بها ، وتختلف هذه المعرفة بهذه الصفة أو الخاصية عن غيرها من المعارف الأخرى التي يمكن أن يلحق بها الشك أو الشبهة أو التشكيك ، وربما اتفق العارف الصوفي مع المفكر العقلي في القول ببعض الأفكار ، ولكن يبقى مع ذلك فارق جوهري بينهما وهو الفرق بين علمت وعاينت ، وليس الخبر كالعيان ، وليس المخبر كالمعاين ، ويتضح هذا الفرق جليا إذا قارنا بين من سمع عن وجود الكعبة وبين من رآها ، فالثاني له عين اليقين ، أما الأول فله علم اليقين ، وعين اليقين أرفع وأعلى 67 . د ) يغلب على هذه المعرفة أن تكون - عند حصولها - خاطفة سريعة ، وهي أشبه بما يقع عند إضاءة مصدر ضوئى في وسط ظلمة حالكة ، حيث يكشف هذا الضوء المفاجئ عن تفاصيل المكان المظلم ، دفعة واحدة ، بحيث تبدو هذه التفاصيل للعيان مباشرة وفي لحظات قليلة ، ويقول الصوفية : إن هذا يحدث لهم حين تشرق في قلوبهم أنوار من المعرفة ، تسوق إليهم علوما لم يبذلوا جهدا في معرفتها أو اكتسابها ، ومن أجل ذلك وصف بعض الصوفية علومهم بأنها علوم النظرة أو اللحظة ، وهذا شبيه بما يحدث للعلماء الذين ينشغلون بدراسة بعض الظواهر الصعبة أو الغامضة ، وربما يستعصى عليهم تفسيرها أو معرفة العوامل المؤثرة فيها ، وقد ينشغلون عنها أو يتركونها إلى ظواهر أخرى ، وفجأة يسطع في نفوسهم تفسير ملائم لهذه الظواهر ، فتتجلى واضحة على ضوء هذا النور الباهر الذي أشرق على العقل فأزاح عنه الحيرة والغموض . وهكذا تتميز المعرفة الصوفية عن سواها ، وتظل عند أصحابها أمل المؤملين ومطمع السالكين ، وهي
نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 35 ) ( النور : 35 ) . ويمكن القول أخيرا بأن المنهج الصوفي في المعرفة منهج تكاملى ، فهم لا يهملون المعارف الحسية ، ولا ينكرون المعارف العقلية ، ولا يتجاهلون العلوم الشرعية 68 ، بل يلاحظون هذا كله ، ثم يتطلعون إلى أفق آخر يضاف إلى الآفاق السابقة ، وهو من عطاء اللّه لأهل طاعته ومحبته ، فإذا جاء على وفق الضوابط الشرعية ، مراعيا للمقتضيات العقلية فإنه لا ينبغي رفضه ولا إنكاره ، إثراء للمعرفة