تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
علم بعيد عن الهوى والزيغ ، وصاحبه على بينة وبصيرة ، ومن ثم لا تدخل عليه الشكوك والشبهات . ويكفى أن مصدر هذا العلم وواهبه ومعلمه هو اللّه تعالى ، أما صاحب العقل فإنه يرجع إلى الحس أو العقل وكلاهما يمكن وقوعه في الخطأ ، ولهذا لا يصح أن يقارن العلم الوارد عن طريقهما بالعلم الوارد من قبل اللّه تعالى على سبيل الفيض والإلهام . وهكذا بذل الصوفية جهدهم لتقرير هاتين الفكرتين : الأولى أنه توجد قوة وراء العقل يمكن لها قبول المعرفة وتلقيها ، والثانية : أن المعرفة الواردة عن طريق هذه القوة تفوق المعرفة العقلية إذا قورنت بها . ويتحدث الشاعر الصوفي الفارسي " فريد الدين العطار " في مقدمة كتابه " تذكرة الأولياء " عن هذا العلم ومكانته العليا ، فيقول : إننا إذا استثنينا كلام اللّه العلى الأعلى وأحاديث رسوله صلى اللّه عليه وسلم فإنه لا يوجد كلام يمكن أن يقارن بكلام علماء الصوفية ؛ لأنه ثمرة للعلم والحال ، وليس نتيجة للحفظ والقال ، وأنه من العيان لا من البيان ، ومن الأسرار ، لا من التكرار ، ومن العلم اللدني ، لا من العلم الكسبى . . . ومن عالم أدبنى ربى ، لا من عالم علمني أبى ؛ لأنهم الوارثون للنبي صلى اللّه عليه وسلم 47 . ولهذا كانت المعرفة الإلهامية الذوقية موضع فخر الصوفية والأمل الذي يرجون أن يتحقق لهم ، بحيث جعلوه مقرونا بالولاية ، ومن أفضل عطاء اللّه للأولياء ، وكانوا ينسبون كثيرا من علومهم إلى هذا النوع من المعرفة ، كما كانوا يفسرون بها ما يقع في كلامهم من الاختلاف أحيانا ، فقد يسألون عن المسألة فتأتي إجاباتهم مختلفة ، على حسب الواردات التي ترد على قلوبهم ، بل ربما تختلف إجابة الشخص الواحد منهم على حسب تلك الواردات " كما سئل الجنيد عن التوحيد ، فأجاب بكلام لم يفهم عنه ، فقيل له : أعد الجواب ، فإنا ما فهمنا ، فقال جوابا آخر ، فقيل له : وهذا أغمض علينا من الأول ، فأمله علينا حتى ننظر فيه ونعلمه . فقال : إن كنت أجربه فأنا أمليه " 48 ويعلق ابن عربى على ذلك بقوله : " أشار إلى أنه لا تعمل له فيه ، وإنما هو بحسب ما يلقى إليه مما يقتضيه وقته " 49 . وتكشف النصوص السابقة عن اهتمام الصوفية بالمعرفة ، وهو في الحقيقة