تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
تعالى ، فإن الأوفق والأصلح أن نلجأ إلى اللّه منذ البداية ؛ لأنه هو - وحده - القادر على أن يمنحنا هذه المعرفة الإلهامية الصائبة الصادقة التي لا يعرض لها ما يعرض للنظر العقلي الفكري من خطأ أو فساد .

[ هل الصوفية ينكرون العقل ]

هذا ، والصوفية عموما لم يتنكروا للعقل وسيلة للمعرفة بل إن منهم من مجدوا العقل واعترفوا به وبما يتوصل إليه من معارف وأحكام مصحوبة بوسائل إثباتها وبراهين ، لكنهم شددوا على استضاءة هذا العقل بالإيمان " وتجدر الإشارة إلى أن أعلام المتصوفة لم ينكروا أن يكون العقل أداة لمعرفة العالم الخارجي المحسوس ولكنهم أكدوا أنه محدود بمعرفة عالم الحس كما مر بنا ، وأن الصوفي في حاجة للمعارف العقلية لتشكيل الإطار الخارجي للمعرفة الصوفية " فالعلوم العقلية غير كافية في سلامة القلب ، وإن كان محتاجا إليها " 44 وقد أدركوا أن حججهم لا تجدى كثيرا مع من لا يسلم بغير وجود العالم المحسوس ولذا تجد السرّاج لا يرفض استخدام الحجج العقلية ضد هؤلاء ، إذ يقول : " علم القياس والنظر . . . هو علم الجدل وإثبات الحجة على أهل البدع والضلالة " 45 . وهكذا يجد العقل نفسه مدفوعا إلى الاعتراف بوجود سبيل آخر من سبل المعرفة ، يسلك مسلكا آخر في تحصيلها ، ويجد فيه من الثقة ما قد لا يتحقق في المعرفة العقلية ذاتها ، وهذا يتحقق عن طريق قوة فوق العقل ، أو فليقل على سبيل التقريب وتقليل الخلاف : إنها قوة عليا من قوى العقل لا يتم الوصول إليها إلا في حالات صفائه وجلائه ونورانيته ، وهذه القوى هي التي يمكن لها أن تستقبل هذه المعرفة الذوقية الإلهامية ، ويرى الصوفية أن رفض العقل لوجود هذه القوة لا يخلو من تحكم بل إن فيه حجرا على مواهب اللّه تعالى ، وعلى العقل أن يتذكر أنه - هو نفسه - هبة اللّه ، واللّه يهب العلم كما وهب العقل 46 بل إنه يهب الوجود نفسه ، ولا حرج على فضله أن يجعل في الوجود ما يفوق طاقة العقل وقدرته . ويقارن الصوفية بين علمهم وعلم غيرهم من المفكرين فيرون أن علمهم قد تحقق له من أسباب الكمال ما لم يتحقق في علم غيرهم فهو مسبوق بالتقوى ، فالتقوى سابقة عليه ومصاحبة له ، وهو