تتعداه إلى غيره فالعين لا تسمع ، والأذن لا ترى ، والفم لا يسمع ولا يرى ، والعقل - كذلك - له مجاله الذي لا يتعداه ولا يتخطاه ، ومن ثم فليس من حقه أن ينكر ما يخرج عن نطاق إدراكه ، وإذا كان العقل يقبل من الحواس ما تقدمه له - مع أنها أقل منه في الدرجة - فإن من واجبه أن يتقبل ما يمكن أن تقدمه له قوى أخرى ، ربما كانت أعلى منه درجة وأرفع مقاما 43 .
4 - ولم يتوقف الصوفية عند هذا الحد ، بل إنهم أضافوا إلى ذلك أنهم قاموا بنقد المعرفة العقلية من زوايا متعددة ، منها أن العقل يمكن أن يقع في الخطأ بسبب الحواس التي يعتمد عليها ، فقد تخطئ الحواس فيما تقدمه إلى العقل من معارف ومعلومات ، وعندئذ يخطئ العقل إذا لم يستطع اكتشاف هذه الأخطاء الواقعة أو الكامنة فيما يصل إليه من المعارف الحسية ، فإذا كانت هذه المعارف بمثابة المقدمات التي يبنى عليها العقل أدلته فإن ذلك يكون إيذانا بأن النتائج المترتبة على هذه المقدمات لن تكون بعيدة عن الخطأ فمن يفقد حسا يفقد إدراكا مقابلا له ، وتتوقف المعرفة العقلية على إدراكات الحواس المختلفة من فرد إلى فرد حسب البيئة التي تعمل فيها تلك الحواس ، وهذا يضعف الثقة في المعارف العقلية ويجعلها محتملة للشك أو الشبهة والوهن .
وقد تكون هذه الأدلة محتملة لذلك أيضا مع كون المعارف الحسية صحيحة ، لأن العقل قد يخطئ هو نفسه في تفسير ما يتلقاه من المعارف ، ويؤدى هذا إلى خطأ النتائج أيضا ، بل إن العقل لا يستطيع أن يدرك نفسه التي بين جنبيه مع أنها من أوضح الحقائق ، وقد يتغير حكم العقل إلى حكم آخر إذا تبين له فساد حكمه الأول .
ومن هنا يمكن للفكر أن يقع في الخطأ أو الفساد أو الغلط ، والعقل محتاج - عندئذ - إلى معيار يزن به أفكاره ويمحصها ، وليتبين له ما هو صحيح ، وما هو فاسد منها ، وليس العقل هو المؤهل للحكم ، في هذه الحالة ؛ ولا أن يكون هو هذا المعيار ؛ لأنه هو الذي وقع في الخطأ ، فلا يكون معيارا لنفسه ، ومن ثم فإنه ليس أمامنا من سبيل لمعرفة الحق في هذه الحالات المشتبهة إلا باللجوء إلى اللّه تعالى أن يلهمنا الصواب . وإذا كان المخرج من هذا المأزق يتمثل في اللجوء إلى اللّه
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 567
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٦٧