تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
السمع لا يستطيع أن يعرف حقائق الأصوات وأنواعها ، كما لا يستطيع التفرقة بينها ، والذي يفقد حاسة البصر لا يستطيع أن يعرف الألوان ودرجاتها ، وليس معنى ذلك أنها غير موجودة ، بل هي موجودة ، ولكن الإنسان يكون عاجزا عن إدراكها لعدم وجود أسباب إدراكها لديه ، وقديما قال أرسطو : " إن من فقد حسّا فقد علما " ، وهكذا يمكن القول بأن هناك مستويات من المعرفة لا يستطيع العقل أن يتوصل إليها ، ولكن ذلك لا يعنى عدم وجودها . 2 - وقد أوضح الغزالي وغيره أن الأمر ليس مقتصرا على ما يتعلق بالمعرفة الحسية بل إنه يمتد إلى نطاق التجارب الذوقية الوجدانية التي لا تخلو من جانب ذاتي أحيانا ، فبعض الناس قد يوهب ملكة قول الشعر وصياغته على حين يحرم من ذلك كثير من الناس ، ولو اجتمع العقلاء على تفهيم واحد من هؤلاء المحرومين من هذه الملكة الفنية الشعرية طبيعة هذه الملكة ، وكيفية الإحساس بالشعر وتذوقه لما تمكنوا من ذلك 41 ، وعليه - عندئذ - أن يسلم لأهل الذوق أذواقهم ، دون أن يتطاول عليها بالإنكار ؛ لأن الإنكار ليس حجة في ذاته ، وإنما هو دليل على العجز الذي لا يتأسس على برهان ، ولعله يكون في كثير من الأحيان استجابة لبعض العادات التي يقع العقل أسيرا لها " إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر ، ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء ، ولو كان للطفل تمييز فربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السماوات والأرض ، وهكذا الإنسان في كل طور ( ومستوى ) ينكر ما بعده " 42 . وليس من حق العقل - إذن - أن ينكر ما عداه ؛ لأنه في ذاته مفتقر إلى الحواس التي تمده بالمعارف والمعلومات التي يعتمد عليها في بناء فكره ، ولو حرم من هذه الحواس لما كان بإمكانه أن تكون له معرفة أصلا ، ومن ثم فهو - في ذاته - فقير إلى غيره محتاج إليه ، وليس من حقه - إذن - أن ينكر ما لا علم له به ، فهو قوة من قوى المعرفة ووسيلة من وسائلها ، وليس هو القوة الوحيدة . 3 - ويضيف بعض الصوفية إلى هذا أن العقل لا يختلف عن الحواس ، فكل حاسة من الحواس لها مجال لا تستطيع أن