تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢

تأصيل الصوفية لمنهجهم العرفاني :

كان من المتوقع أن يلقى هذا المنهج معارضة طوائف كثيرة من علماء المسلمين والمفكرين العقليين ، ومن هؤلاء فقهاء وفلاسفة وعلماء كلام ، وفي الوقت نفسه كان الصوفية أنفسهم على علم بأنهم يتحدثون عن طريق غير معهود من طرق المعرفة ، فلقد تعارف الناس على أنه يمكن التوصل إلى المعرفة عن طريق الحس أو العقل أو عن طريق تكاملهما وتعاونهما في كشف المجهول والتوصل إلى المعلوم ، وزيادة الخبرة الإنسانية ، ولكن الصوفية كانوا يضيفون - إلى ما سبق - هذه الوسيلة غير التقليدية التي كانوا على بينة من أنها لن تكون موضع رضا التجريبيين أو العقليين أو الفلاسفة ، الذين يتحدثون عن طرق مضبوطة ووسائل معروفة يمكن الأخذ بأسبابها وتحصيل المعرفة عن طريقها . ومن أجل هذا عنى الصوفية - على اختلاف عقائدهم ومنطلقاتهم - ببذل جهود كثيرة كان مقصدهم منها أن يثبتوا أن هذه المعرفة التي تحدثوا عنها وسعوا إليها ممكنة ، وليست مستحيلة ، بل إنها - بحسب تعبير الغزالي - كثيرة الوقوع ، وأنها أساس كثير من المعارف ؛ لأن ما يقذفه اللّه تعالى في القلب من أنوار اليقين " هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف ( العلم عموما ) موقوف على الأدلة ( العقلية ) المحررة فقد ضيق رحمة اللّه الواسعة " 25 . ولقد أراد الصوفية ألا يكون الأمر مجرد دعوى ، ومن أجل ذلك حرصوا على تقديم عدد من الأدلة على إمكان هذه المعرفة وعدم استحالتها ، وتنوعت هذه الأدلة - عند الصوفية المسلمين - ما بين أدلة شرعية دينية ، وأدلة عقلية أرادوا أن يثبتوا لخصومهم بالعقل نفسه أن وراء العقل مرتبة أو درجة أو مستوى لا يستطيع العقل - بما فيه من قوى ، وما يتيسر له من وسائل - أن يتوصل إليها ، ومن ثم فإن عليه ألا ينكر وجود هذا المستوى بسبب عجزه عن إدراكه أو تحصيله ؛ لأن مجرد العجز ليس برهانا ولا دليلا ، ولأن عدم الوجود ليس دليلا على العدم .

( أ ) التأصيل الشرعي لإثبات المنهج الذوقى الإلهامى :

من الأدلة التي استحضرها الصوفية الإسلاميون بعض الآيات القرآنية ، وبعض الأحاديث النبوية ، فمن الآيات قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ