تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
والجود والسخاء ، والحلم والتواضع ، فإنه يكون عندئذ موصوفا بالبقاء لوجود هذه الصفات الكريمة لديه 18 . وذلك يعنى إمكانية تغيير واكتساب تلك الأخلاق ، ولولا ذلك لما كان للمجاهدة فائدة ، ولما كان للرياضيات الروحية معنى ، وقد ظهر ذلك المعنى لدى الحكيم الترمذي في حديثه عن فطام النفس عن شهواتها ، كما يفطم الصبى الصغير عن ثدي أمه ، وفي حديثه عن تأديب الطيور والحيوانات البرية حتى تصير بالتأديب طائعة مسخرة ، ولذلك لا يستغرب على النفس أن تكتسب عادات حسنة وأخلاقا كريمة ، تحل محل ما كان لديها من سئ الأخلاق والخصال 19 . ولا يخفى أن للمجاهدات ثمرة تتمثل كذلك في المقامات التي يتدرج فيها السالك لطريق الحق ، وهي تخلصه من نقائصه وعيوبه ، فمن بقي عليه شيء من الرغبة في الدنيا تداركه الزهد فصرف عن قلبه شدة التعلق بها ، والحرص عليها ، والتوسع فيها ، ومن بقي في قلبه شيء من قلة الاعتماد على حفظ اللّه وتدبيره وكفالته له ، بأن كان طمأنينته واستناده إلى الأسباب الظاهرة وحدها فإن التوكل يأتي ليصل قلبه باللّه ، فيكون اعتماده عليه ، وثقته فيه ، ولجوؤه في الشدائد إليه ؛ لأن ذلك من شروط كمال الإيمان والتوحيد وتحقق المؤمن باليقين ، ومن كان لا يزال في نفسه بقية من تكاسل أو تهاون في مواصلة الطاعة ، واستمرار العبادة اعتمادا على عفو اللّه ورحمته أو اغترارا بطول الأجل ، أو استرسالا مع الأماني فإن الخوف من اللّه يأتي ليبدد هذه الأوهام وليعرف المريد بما يدفعه إلى استحضار عظمة اللّه وكبريائه ، وتصور هول الحساب بين يديه ، وشدة عذابه ونقمته من أهل التقصير والإعراض عنه ، كي يلزم القلب الحذر والإشفاق فيتجه إلى العبادة والطاعة ، وربما تزيد جرعة الخوف في قلبه فيخشى عليه أن يشل هذا الخوف قواه ، أو يكبل مشاعره ، ولذلك يأتي الرجاء ليخرجه من يأسه وقنوطه ، ويعرفه برحمة ربه ، وبذلك لا ينحرف مزاجه النفسي ؛ بل يحس التوازن دون مبالغة أو إفراط ، وإذا كان هذا السالك لطريق اللّه من أهل البلاء والمحن التي تصيبه في نفسه أو أهله أو ماله فإنه لا يعينه على تحمل ذلك إلا اتصافه بمقام الصبر الذي يهوّن عليه أثقال ما يعاني ، ويزوده بطاقة تحفظ عليه تماسكه ورباطة جأشه ، وتمنع ترديه إلى مهاوى