تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩

[ غاية الحياة الصوفية في نظر ذو النون ]

وقد رأى " ذو النون " أن غاية الحياة الصوفية : الوصول إلى مقام المعرفة الذي تتجلى فيه الحقائق فيدركها هذا السالك المجاهد لنفسه إدراكا ذوقيا لا يرجع فيه للعقل ولا للروية ، وذلك لا يكون إلا لخاصة أهل اللّه الذين يرونه بأعين بصائرهم ، ومن المأثور عنه أنه قال : إنه بمقدار ما يعرف العبد من ربه يكون إنكاره لنفسه 14 . وبناء على ذلك ربط الصوفية بين هذه المعرفة وبين ما سبقها من ألوان المجاهدة النفسية والرياضة الروحية الخلقية التي نظروا إليها على أنها تحرر النفس من الشهوات ، وتوحد قواها الروحية ، وتصقل مرآة القلب ، وتجعله أهلا للتلقى من اللّه عز وجل ، وفي ذلك يقول سهل التستري : " المشاهدات مواريث المجاهدات " 15 ، ويقول الحكيم الترمذي : " فكلما منعوها ( أي النفس ) شهوة آتاهم اللّه على منعها نورا في القلب ، فقوى القلب وضعفت النفس ، وحيى القلب باللّه جل ثناؤه ، وماتت النفس عن الشهوات حتى امتلأ القلب من الأنوار " 16 فالمجاهدة والخلوة والذكر غالبا ما يتبعها كشف حجاب الحس ، والاطلاع على عوالم من أمر اللّه ، ليس لغيره إدراك شيء منها . ولا شك أن هذه المجاهدة تتضمن غايات أخلاقية واضحة ، لأنها تبتغى تخليص النفس من آفات الأخلاق ، ثم إحلال الأخلاق الحسنة محل هذه الأخلاق السيئة التي تخلصت منها ، ويعبر الصوفية عن هذين الأمرين بالتخلي والتحلي ، ويقصد بالتخلي ترك الأخلاق والرذائل المذمومة التي تسيطر على النفس ، وذلك طريق طويل ووعر قد يحتاج فيه السالك إلى شيخ يكون خبيرا بأدواء النفوس ليساعده على طريق الوصول وحمل النفس على ما تكره ، ويقصد بالتحلى التخلق بالأخلاق الحميدة والفضائل التي دعا إليها الشرع ليحلها مكان الرذائل 17 . كما يعبرون عنها بالفناء والبقاء ببعض معانيهما فالفناء بمعناه الأخلاقي يقصد به الفناء عن أوصاف الرذيلة والشرور ، والبقاء يقصد به قيام الأوصاف المحمودة بالإنسان ، ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر ، وأمثال هذه الآفات والرعونات ، فإنه يكون عندئذ قد فنى عن هذه الأخلاق الذميمة ، فإذا تخلق بأضداد هذه الصفات من المحبة والإيثار