الجزع والقنوط ، فإذا كان من أهل النعم التي تفضل اللّه بها عليه فإن تخلفه بخلق الشكر ينجيه من كفران النعم والاغترار بها ، وعدم رؤية الفضل الإلهى فيها . وقد جرى العرف على اعتبار مقام التوبة أول هذه المقامات ، ويراد بالتوبة الفرار من المعاصي والالتجاء إلى اللّه 20 .
وتتعدد تلك المقامات بتعدد أنفس السالكين ، ومن ثم فليس لها ترتيب محدد حيث تختلف من سالك لآخر وفقا لتجاربهم واستعداداتهم ، والسالك لا ينتقل من مقام إلى مقام ما لم يستوف أحكام ذلك المقام وشروطه ، ويصل إلى درجة الكمال فيه ، ولا يزال المريد يترقى فيها من مقام إلى مقام إلى أن ينتهى إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة 21 وتتخلل تلك المقامات أحوال مختلفة ترد على القلب من غير اكتساب أو عناء مثل القبض والبسط والطرب والحزن . . . وللصوفية عبارة تعبر عن هذا المعنى بقولهم : المقامات مكاسب والأحوال مواهب 22 .
والحق أن الصوفية قد أفردوا صفحات كثيرة لتحليل هذه الظواهر والمقامات ، وتناولوا أسبابها ، وأرشدوا المريدين إلى الوسائل العلمية والعملية التي تمكنهم من اكتسابها ، والتخلص من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليها . وقد كان للحارث المحاسبي فضل السبق في هذا المضمار حيث خصص في كتابه " الرعاية لحقوق اللّه " فصولا لدراسة هذه الظواهر ، وتبعه في كثير مما ذهب إليه أبو حامد الغزالي في الجزء الثالث من كتابه الإحياء ، وقد اعترف الغزالي له بالفضل حيث يقول : " والمحاسبي - رحمه اللّه - حبر الأمة في علم المعاملة ، وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات ، وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه " 23 .
ويشبه الصوفية تلك المجاهدة التي تؤدى إلى هذا التحول الأخلاقي بالتحول الكيميائى الذي يتم في العناصر ، نتيجة مزجها بعضها ببعض أو تعريضها لأسباب تؤدى إلى تغيرها ، ونحن نجد هذا الوصف لدى الغزالي ولدى ابن عربى " 24 ، وكلاهما يلاحظ ما تتطلبه هذه المجاهدة من صبر ومشقة وعناء تتهذب به النفس ، وتولد به ميلادا جديدا يفيض طهارة ونقاء ، بحيث تقبل على اللّه وقد توحدت قواها ، واجتمعت إرادتها .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 561
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٦١