حينما سئل عن المعرفة فقال : المعرفة تأتى من وجهين : عين الجود ، وبذل المجهود " وشرح الغزالي ذلك في الإحياء فيقول : " فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ودقائق علوم القلب تنفجر علوم بها ينبايع الحكمة من القلب ، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك ، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع اللّه عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافى الفكرة والانقطاع إلى اللّه تعالى عما سواه . فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف ، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة ، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح اللّه له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوى الألباب ؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم :
من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » 10 .
ف " الحس الصائب لا يحصل للقلب إلا بعد رحلة طويلة وخطيرة ، وهي أن يجاهد نفسه ، ويروضها على التوجه إلى اللّه وحده ، والالتجاء إليه في جميع الأمور ، والابتعاد عن النقائص والرذائل ، حتى تحصل له طهارة اللسان بالتعبير عن الصدق والعدل ، وطهارة الفرج عما حرّم اللّه ، وطهارة اليد عن العدوان ، وطهارة العين عن النظر بريبة وسوء نية ، وطهارة السمع عن الكذب والغيبة ، وطهارة العقل عن الجهل والتقليد ، وطهارة القلب عن الحسد والحقد ، وطهارة الخيال عن الأماني والأفكار السوء . ومتى تم للإنسان هذه الفضائل ألقى اللّه النور في قلبه " 11 .
ومن أجل ذلك تعد مجاهد النفس عند الصوفية هي عصب الحياة عند الصوفية وأساس بنائها 12 ، وتقتضى هذه المجاهدة مقاومة أهواء النفس ومواجهة شهواتها ؛ لأنها أمارة بالسوء ، وهي تستريح إلى الهوى وتأنس بالشهوة ، وتفتر عن الطاعة ، وتراوغ التماسا للمعاصي ، لذلك كان من الضروري كبح شهواتها وتقييد أهوائها ، فلا سلوك بغير مجاهدة ، ولا طاعة بغير مواجهة لها " فإنك لم ترد - قط - خيرا إلا وهي تنازعك في خلافه ، ولا عرض لك شر - إلا أقله - إلا كانت الداعية إليه ، ولا ضيعت خيرا قط إلا لهواها ، ولا ركبت حذرها ؛ لأنها لا تفتر عن الراحة إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة " 13 .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 558
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٥٨