بعض أهل المجاهدة مع شدة مجاهداتهم ، وكثرة طاعاتهم ؛ لأن الأمر إلى اللّه تعالى ، يفعل ما يشاء » ومن أجل ذلك كان على السالك أن يبذل جهده للوصول إلى هذا المقام ، ولكن عليه أن يصرف عن قلبه أن العطاء لازم ، وهو بعبارة بعض الصوفية . له التعمل في الوصول ، وما له تعمل فيما يكون من الحق عند الوصول ، ثم عليه مع هذا أن يعلم أن عطاء اللّه تعالى ليس لكل أحد ، وأن آيات اللّه وعهده ، وما يمنحه من العلم إنما يكون عن مكاشفة قدرته وعظمته ، وآيات اللّه لا تكون للفاسقين ، وعهده لا ينال الظالمين ، وفضله لا يكون للزائغين ، ومنته لا تكون للمبطلين 3 .
وفي ذلك يقول " الكلاباذي " عن علم الصوفية الذي يسميه علم الإشارة وعلم المشاهدات والمكاشفات : " وهو العلم الذي تفردت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم " 4 .
ويقول الغزالي : " فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية ، ولذلك قالوا : الطريق تقديم المجاهدة ، ومحو الصفات المذمومة ، وقطع العلائق كلها ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى ، ومهما ( إذا ) حصل كان اللّه هو المتولى لقلب عبده ، المتكفل له بتنويره بأنوار العلم ، وإذا تولى اللّه أمر القلب فاضت عليه الرحمة ، وأشرق النور في القلب ، وانشرح حجاب العزة بلطف الرحمة ، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية ، فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ، وإحضار الهمة ، مع الإرادة الصادقة ، والتعطش التام ، والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه اللّه تعالى من الرحمة " 5 .
والحقيقة أن " القول بسمو المعرفة الذوقية ( التجريبية ) على المعرفة الحسية والعقلية ليس مما تفرد به الصوفية كما أنه ليس وقفا عليهم ، فليس حديث الفارابي عن مسألة « الاتصال » إلا اعترافا بالتمايز الحاصل بين درجة المعرفة الحسية من جهة والمعرفة الإشراقية من جهة أخرى ، ومن المهم القول إن المعرفة لدى الفارابي تتجه في خط تصاعدى ، حتى تبلغ غايتها من التجرد حينما تتصل وتتلقى الإلهام من العقل الفعال الذي هو باعتراف الفلاسفة القدامى عقل مفارق " 6 .
يبقى لنا الآن أن نعرف كيفية الوصول إلى المعرفة عند الصوفية ، وهل ثمة طريق معين إذا سلكه المريد يمكن
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 556
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٥٦