والمكاشفة ، والمشاهدة ، وعلم الإشارة ، والعلم اللدني ) ، وهي مترادفات تعبر عن معنى مشترك وهو العرفان الصوفي ، ولم يعرف عنهم استخدام لفظ الحدس للتعبير عن المعرفة الصوفية مع أنه كان معروفا ومتداولا في المصطلح العربي أيام ابن سينا والجرجاني ومن عاصرهم وجاء بعدهم 2 .
وربما استخدم الصوفية - في نهاية الطريق - كلمة العلم في تعبيرهم عن المعرفة رغم تفريقهم بينهما ، وإيثارهم لاستخدام المعرفة بدلا من العلم في التعبير عن تجاربهم الذوقية المباشرة ، ومواجيدهم الخاصة بهم ، بينما العلم لا يشترط فيه تلك المباشرة ، بل يمكن أن ينقل بالرواية أو الدراية أو العقل والنقل أو غيرها من طرق اكتساب المعارف التي تعد ثمرة لجهد منهجى مبذول ، في حين أن المعرفة الذوقية لا تخضع لهذه الطرق المستخدمة في اكتساب المعرفة ، بما فيها المعرفة العقلية ، ومن ثم كانت المعرفة أكثر دقة في التعبير عن جهدهم في الوصول إليها من العلم ، لا سيما إذا علمنا أن القرآن قد وصف الإنسان بالمعرفة في آيات كثيرة منها قوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
( المائدة : 83 ) في حين أن وصف الإنسان بالعلم لم يكن مطلقا كما ورد في المعرفة ، وإنما جاء العلم - أحيانا - مقيدا لدى بعض الناس بظاهر الأشياء فقط كما في قوله تعالى :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
( الروم : 7 ) ، وفي قوله تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( الإسراء : 85 ) جاء وصفه بالعلم مقيدا بالقليل منه وهكذا .
وقد شغف الصوفية بهذا العلم ( اللدني ) ، وسعوا إلى إعداد أنفسهم بهذه المجاهدات الشاقة التي تفننوا في تحديدها ، واجتهدوا في تحصيلها ، ولكنهم كانوا حريصين على بيان أن حصول هذا العلم لهم ليس ثمرة ضرورية واجبة بعد بذل كل مقدماته ، بل إن وقوعه هو فضل من اللّه تعالى إن شاء منحه وإن شاء منعه ، « فليس يشهد العبد إلا ما أشهد ، ولا يستبين إلا ما أبين له ، وأريد به ، فإذا تخلت العناية عن العبد فإنه لا ينفعه شيء ، فهو يعمل في بطالة لا أجرة له ، ولا كشف له ، ومثل هذا لا يزداد بعلمه من اللّه إلا بعدا ، فالفتح جود منه ومنّة ، وليس أمرا لازما ، ولذلك قد لا يناله