الوصول إلى كشف الأسرار وعلم التأويل إحسانا .
ولكن هذا التغاير أمر اعتباري كما قلنا ، وفي الحقيقة يمكن التصريح بأن الشريعة ، والحقيقة ، والطريقة واحد بالنظر إلى أمر اللّه سبحانه ، بحيث يحكم العارف على الظاهر والأوامر الشرعية على أنها جملة الأسرار الربانية فهي من هنا حقيقة ، ويرى الحقائق أنباء وعلوما إلهية جلاها الحق أبداها كبقية المعارف الشرعية ، فهي هنا شريعة ، وقد ركز القشيري ، وابن عربى ، والشيخ زكريا الأنصاري على أن " الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره ، والحقيقة أيضا شريعة من حيث إن المعارف به سبحانه أيضا وجبت بأمره » 11 أو على حد تعبير ابن عربى " فعين الشريعة عين الحقيقة ، والشريعة حق ، ولكل حق حقيقة ، فحق الشريعة وجود عينها ، وحقيقتها ما ينزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمر ، فتكون في الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد ، وما ثم حقيقة تخالف شريعة ، لأن الشريعة من جملة الحقائق ، والحقائق أمثال وأشباه » 12 والطريقة بما أنها وجبت بالشرع فهي شريعة ، وبما أنها من الأسرار فهي حقيقة ، والثلاثة متحدة في الماصدق لا في المفهوم ، لأن ما يصدق عليه شريعة يصدق عليه حقيقة ، والعكس بالعكس ، والتفرقة في المفهوم لا تعنى اختلافهما لأن الشريعة ما ظهر من أحكام الحقيقة ، والحقيقة ما بطن من أحكام الشريعة ، كما يقول زكريا الأنصاري ويسانده أحمد بن زروق والعز بن عبد السلام 13 والصوفية يطلقون لفظة التصوف لتشمل هذه المعاني باتحادها وبمغايرتها لا بمخالفتها ويستندون في بحوثهم المستفيضة هذه إلى ورود مادة الشريعة في خمس آيات ، ومادة الطريقة في تسع ، ومادة الحقيقة في ( 289 أية ) ، ولعل مرجع هذه الكثرة في مادة الحقيقة إلى أن اسم اللّه هو الحق ، وأنه مطلوب كل سالك ، والحقيقة معيار لكل معرفة شرعية أو عقلية ، ولأن الشريعة بما فيها من صفة يقينية ، وبما تحمل من أسرار فهي من ، عين الحقيقة ، 14 كما يستدلون كذلك على أن الشريعة جاءت
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 542
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٤٢