أساسها : « ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » ومن ناحية أخرى فإن الإنسان ينسب إلى القلب والنفس بلا واسطة ولا ينسب إلى الجوارح إلا بواسطة ، فإذا نبه الصوفية بعد هذا على تعلق الأشياء بالقلوب ، وعلى ضرورة أن يبتدئ السالك وكل مسلم " بعمارة باطنه ثم بعمارة ظاهره " وبينوا أن طهارته أصل كل الطهارات فقد نظروا إلى القلب بهذا الاعتبار التصديقي مثلما أكد الجيلاني ، وطاش كبرىزاده ، وشارح عين العلم ، ولهذه الأسباب جاء السر مقدما في معظم الآيات القرآنية على العلانية ، ودعا الرسول فقال : « اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي واجعل علانيتي صالحة » 6 . وقال : « من أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته » وخطب عثمان فقال : " أيها الناس اتقوا اللّه في هذه السرائر فإني سمعت رسول اللّه يقول : « والذي نفسي بيده ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه اللّه رداء علانية إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا » وقال الإمام على : " من كان ظاهره أرجح من باطنه خفت موازينه يوم القيامة ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقلت موازينه يوم القيامة " 7 والباطن من هذه الناحية مغاير للحقيقة وإن كان محلا لها .
الشريعة ، والطريقة ، والحقيقة :
الشريعة في اللغة مشرعة الماء ، أي مورد الشاربة ، وهي أيضا ما شرع اللّه ؛ أي سن من الدين ، والحقيقة من حق الأمر أثبته وأوجبه ، وكان على يقين منه ، وحق الخبر وقف على حقيقته ، أو صح وثبت ، أو وصل إلى منتهاه ، وفيه ما يشعر ببطون الحقائق ، ولذا سميت المرأة وكل ما تجب حمايته حقيقة كقول لبيد
أتيت أبا هند بهند ومالكا * بأسماء إني من حماة الحقائق 8
ويقول القشيري مبينا كلا منهما : " الشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده ، والشريعة قيام بما أمر اللّه ، والحقيقة شهود لما قضى وقدر ، وأخفى وأظهر ، والشريعة أمر بالتزام العبودية ، والحقيقة مشاهدة الربوبية ، والشريعة جاءت بتكليف الخلق ، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق " 9 " وإياك نعبد حفظ للشريعة ، وإياك نستعين إقرار بالحقيقة »