تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
كما بين أبو علي الدقاق ، والسبيل الذي يسلكه الطالب والمؤدى إلى الكمال أو الموصل إلى الحقيقة هو المسمى بالطريقة ، أو بتعبير اصطلاحى خاص بالقوم : " هي الأمر اللازم لأرباب الحقائق ، والأحوال المختصة بهم في مقامات الكمال » 10 فكأن الصوفية نظروا إلى الشريعة كمورد ومنهل يرده الظامئون إلى الاستقامة ، والطالبون إلى الكشف عن خبايا الحقائق ، فلما أتوها ، وأعطوا ظواهرهم لعلومها ، ودرسوها دراسة وافية ، ونفذوها تنفيذا دقيقا ، ونقوا بواطنهم ، ووجهوها للّه قصدا ، وحبا ومطالعة وصلوا من وراء ذلك إلى شهود الحق في صفاته وأفعاله وأسراره ، وانجلت أمام عين بصائرهم كنوز الحقائق وخفاياها ، والحبل الذي ربط بين العبد وبين ربه سمى طريقة . والشريعة في أحكامها التكليفية ومقتضياتها التنفيذية تسمى ظاهرا ، والحقيقة كثمرة من ثمار الشريعة وفائدة من فوائدها الجمة تلتقى مع الباطن في الموضع وهو القلب ، وفي العلوم والأسرار والمكاشفات إن أريد بالباطن العلوم الحاصلة فيه ، والواردة إليه من المخ والمواهب ، أما إن أريد به التصديق أو العقد فقط فتكون الحقيقة أوسع معنى من الباطن بهذا الاعتبار ، وأيضا فالحقيقة بحسب تحقق بعض العباد بها ، وعدم تحقق البعض تغاير الشريعة ، والشريعة باعتبار قدرة الجميع على تنفيذ أحكامها الظاهرة وعجز البعض عن إدراك أسرارها أو المكاشفة من خلال القيام بها تغاير الحقيقة ، والثلاثة باعتبار مغايرتها . يمكن أن نسمى الباطن إيمانا ، والشريعة إسلاما ، والحقيقة إحسانا ، والترتيب بينها على هذا النحو ترتيب منطقي وديني ، لأن الإيمان بمعنى التصديق يلزم وجوده أولا قبل الشريعة والعمل بها ، ثم إذا تحقق في قلب العبد وجبت الشريعة تنفيذا وتطبيقا ، وبالإخلاص في العمل والعبادة ينتقل الإنسان إلي حال الإحسان أو الشهود الحقيقي ، وهذا هو الترتيب المناسب لحال الدعوة الإسلامية التي ابتدأت بإصلاح الباطن في العقيدة ، ثم بتربية الظاهر وتنقية النفس عن طريق العبادة شريعة ، ثم
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 541 | محمود حمدي زقزوق