منهما .
فيرى الخراز أن للأولياء لسانين " لسانا في الباطن يعرفهم صنع الصانع في المصنوع ، ولسانا في الظاهر يعلمهم علم المخلوقين ، فلسان الظاهر يكلم أجسامهم ، ولسان الباطن يناجى أرواحهم 3 .
والأول متجه إلى اللّه ساكن معه ، متطلع إليه لا يفشى سرا ، ولا ينظر إلى غيره من أهل أو مال أو ولد أو خلق ، وينال به العارف علوم الدراية ، ويرتبط بالإيمان ارتباطا كبيرا ، ويثمر لنا علوم اليقين ، والإخلاص ، والمعرفة ، والتوكل ، والمحبة ، والإنابة ، والتقوى إلى آخر ما يتعلق بالقلب من مقام أو حال ، ولا يخفى أن عين القلب هي المدركة لكل العلوم الباطنية بنور ربها ، كما ذهب إلى ذلك الطوسي والجيلاني .
أما اللسان الثاني فيكلم الجسد بالحس والعقل ، أو يسوس الظاهر بمكاسب الإدراك الحسى والعقلي ، وهو واقف مع الشرع والأسباب ، ويتحرك بالاجتهاد ، ويعمل في ميدان علم الرواية أو الحديث والأحكام الظاهرة ، وينظر إلى مصالح البدن والأولاد ومن تلزمه نفقته في الدنيا 4 ولكل من اللسانين أيضا علم وفقه ، وبيان وفهم وحقيقة وحد ، ولا يخلو كل منهما من الجانب العملي والعلمي ، كما لا يخفى ما في هذا الأسلوب الصوفي من تقسيم وتفريع مشبعين بالعاطفة والذوق ، وإلى اللسانين معا جاء قوله سبحانه :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ، ظاهِرَةً وَباطِنَةً
( لقمان : 20 ) ، والنعم الظاهرة منها ما هو مادي كالرزق والأولاد ، والصحة وكمال الخلق ، ومنها ما ليس ماديا كالتوفيق إلى الطاعات ، والقيام بفرائض الإسلام ونسكه . والباطنة كالهدايا القلبية بالشرح والقذف وإنارة البصيرة ، وبث اليقين ، والعلم باللّه ، والتعرف على حقائق وأسرار الأشياء 5 .
وكما بين اللّه النعم الظاهرة والباطنة فقد حذر من الآثام بنوعيها فقال :
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
( الأنعام : 151 ) .
وكذلك جاء النهى عنهما في الآية 33 من سورة الأعراف ، والآية 120 من سورة الأنعام ) ، والسيئات الظاهرة كالسرقة والزنا والربا وغيرها ، والباطنة