نحن بصدد الحديث عنه حتى نبتت في قلوبهم جذور المعرفة ، وسمت سيقانها .
وكان لهم مع الأصول التي ورثوها من الكتاب والسنة ، ومع مواعظ السلف أعمال عقلية تجلت في دقة التحليل والتقسيم والتصنيف ، وفي قوة الربط بين كل قسم وسببه أو منبعه ، وفي الشروح والتفاسير التي تعلقت بما حللوه ، وفي كثرة الاستنباطات القلبية التي تشبه الفهوم العقلية التي يتوصل إليها رجال الظاهر بأدواتهم الحسية ، ومداركهم العقلية ، مع العلم بأن هذه التحاليل أو الاستنباطات لم تكن خالية من النفحة العاطفية والذوقية القائمة على الرقة والتصفية ، والمفعمة بالشعور الروحي العميق الوارد عن طريق المن والجود والعطاء الرباني .
ونستطيع أن نتصور خط الصوفية من البداية ، وهو الخط الذي يبدأ من الشرع ويتجه إلى وجهتين :
وجهة داخلية تعمد إلى إصلاح القلب .
وطرف خارجي يبدو من تربية الجوارح وإعدادها عن طريق العبادات ، والمعاملات ، والأخلاق الإسلامية .
ومهمة الصوفي هي أن يجمع الطرفين معا في اتجاه صادق مخلص نحو اللّه ، وفي تجرد كامل عما سواه ، حال كونه صاعدا من داخله وخارجه إلى ما فوقه ، مستعطفا راجيا إشراقات ربه وإلهاماته ، وعطاياه ، وهو خط تمتزج فيه الأوامر الشرعية المتعلقة بالظاهر والباطن معا مع عواطف الإنسان ومشاعره ، وهاتان السمتان تلازمان الصوفي عندما يعرض لكل جانب من جوانب المشكلة سواء منها ما يتصل بالمعنى ، أو بالربط بين الشريعة والحقيقة ، أو بالفهوم الخاصة بالعبادات ، أو بالتأويل للنصوص .
الظاهر والباطن :
الشيء الظاهر في اللغة هو الذي بان ووضح ، والباطن هو داخل كل شيء ، فبطن الوادي داخله ، وبطن الأمر عرف ما في جوانيته ، وهما من أسماء الأضداد لغة فقط 2 ، وعندما يعرفهما الصوفية يجعلونهما موسومين بسمات علمية عرفانية ، ويفصلون بينهما من حيث طبيعة الإدراك وأداته ، والعلوم المحصلة لكل