كل منهم أن كان شيخا أو تلميذا أو عالما أو معلما ، ويتواصون بأنهم ( قوم اجتمعوا لطلب أحكام اللّه فإن وجدنا الحق على لسان صبي من صبيان المكتب اتبعناه ) 38 ومتى ظهر الحق على أي لسان انتصفنا له لا لأنفسنا ، وإن عرفنا أجبنا وإلا قلنا لا ندري ، والمراء ذميمة لا وجود لها بيننا .
ولا ينتابنا أدنى ريب إذ علمنا تلك الآداب العلمية فيما بينهم أن نعلل لماذا لم ترد إلينا عبر الأزمان خلافات في العقيدة ، أو في المذاهب الفقهية ، أو في طرائق التربية بين الصوفية ، بل أنمحت وتلاشت لسريان الإنصاف وللتحقق بآداب الخلاف على أتم الوجوه ، وبصورة لا نجدها إلا عند الصوفية ، لقد تواترت الخلافات بين علماء الكلام ، وقام العلم على الجدل الذي ذهب في كثير من الأحيان إلى حد المراء بدوافع عصبية للرأي والفرقة ، وتبارى الفقهاء انتصارا للمذهب ، ولم تحمل بطون التراث مواقف خلافية بين رجال الطريق على الرغم من تعدد الطرق ، وكثرة الأذواق والمشارب وحمل كل واحد لكلام أخيه وجوها من التأويل أو المحاذير دون أن يصادمه بالرأي الآخر ، أو يقارعه الحجة ، وربما عالج الموقف مؤقتا بالسكوت ثم نبه بعد ذلك على الخطأ إن خالف الشرع ، ثم أنهم أجلوا سابق علمائهم ودعوا لهم واستغفروا لصالحهم انصياعا لقول اللّه تبارك وتعالى :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
( الحشر : 10 ) ولم يغلقوا الباب على منح اللّه في المستقبل فتعالوا على من يأتي ، أو أعلنوا نضوب المعين على القلوب ، وإنما أقروا باستمرار العطاء ، وبميراث الولاية في كل زمن .
ولم ينس الصوفية أن يجعلوا من آداب العلم العمل به ؟ لأن العمل نتيجة العلم وثمرته . واعتبروا العلم بلا عمل وسيلة بلا غاية ، والغاية العملية بلا علم فساد وجناية ، والعلم إذا أيد بالعمل نهض ، وأنتج نورا تاما ، ونتج عن ذلك النور حكمة أي أن العلم مع العمل قوة تولد نورا والنور شعاع تخرج الحكمة من ثنايا بريقه ،