العلمية تلك الطرق كلها ، فإما أن ينبهوا على الأدب مجردا ، أو معللا ، أو مقرونا بالفائدة المرجوة .
وبشئ من التفصيل حول الآداب المرعية مع الجانب التعلمى من خلال الصحبة نلمس أن الصوفية تدرجوا في تلك المسألة ، وعلموا أن مشاق العلم وتبعاته كثيرة وثقيلة فخففوا على المريد بداية صونا له من النفور ، وحفاظا عليه من النكوص ، لذا عاملوه بلطف وشفقة في البداية حتى إذا ما ثبتت خطاه معهم .
وركن إلى صحبتهم ألزموه حدود العلم كلها ، يقول ابن عربى معبرا عن هذا الأدب وقد سأله سائل أن يوصيه ( إذا لقيت الفقراء ورأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه ) 33 أرأيت كيف قدم الحاتمي الطائي وصيته بأب الرفق ومعه تعليله وثمرته . ثم إنه لا ينبغي أن يفهم من رفع العلم هنا وإحلال الشفقة أن المراد بذلك علم الفرائض العينية لأن تلك ملازمة للمريد والفقير في بدايته ووسطه ونهايته ، ولا بتصور فيها تأخير وتسويف من جهة المريد أو الشيوخ أو الأصحاب بل المراد بالعلم هنا هو علم المعاملات الخاصة بالسلوك ، وهو ما نتصور معه تدرج وأولويات .
فإن تجاوز المريد المصاحب مرحلة البداية الخاصة بالرفق ، واستأنس بالقوم نقلوه إلى العلم وضروراته فيتعلم منهم إن كان صغيرا ، أو يصحبهم على شرائط العلم وآدابه إن كان كبيرا وقد حصل العلم المطلوب ، وأهم تلك الشروط التي وضعها سيدي أبو الحسن ، الشاذلي للعلم مع الصحبة أن تعتمد المجالسة على ( المنقول والروايات الصحيحة ) 34 لإفادة المريدين أو للاستفادة من الأصحاب بعضهم من بعض ، إذ للمنقول أنواره ، وللمعقول ظلماته ، وللمنقول تأثيره وللبدع ضلالها وزيغها ، وكم ضلت نفوس بالهوى والعقل والتبدع ، وكم اهتدت قلوب حين ارتوت بماء الوحي ، وسارت على نور الشرع الأبلج ، وهذا الأدب الملزم للمنقول وصحيح الروايات يتعلق كما ترى بمنهج التعلم في حلقات الصحبة .
ولكي يحدث الوئام داخل الجماعة
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 519
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥١٩