لأن ضررهم على السالك أعظم من غيرهم ، وذلك من جهة أنه ربما أحسن المريد الظن بهم فقبل منهم أمورا لا أصل لها في الشرع أو الطريق ، ثم إن التصوف مبنى في كل مرحلة من مراحله ، وكل مقام أو حال أو أدب أو كشف على الشرع والعلم ، والجهال من المتصوفة تغيب عنهم الإحكام لجهلهم فكيف يستفاد بهم ؟
أنهم كما قلت ربما كانوا أخطر على صاحبهم من غيرهم .
فقه آداب الصحبة تفصيلا :
سبق التنويه إلى أن الصوفية اهتموا بعلم الباطن وبيان جمله وتفصيله ، وأنهم تبعا لذلك قد خبروا دروب النفس والقلب والشكل خبرة جعلتهم يحللون الصفات المتعلقة بها ، والنسب القائمة بينها جميعا ، وتخير المفيد منها والأحسن ، وتطبيقه في الظاهر ووضع العلاج المناسب لما يطرأ من عقبات بين السلوك والنفس ، أو بين أفراد المريدين وعلاقتهم في اجتماعهم وألفتهم ، كل ذلك يتم في ضوء الشرع وتوجيهه ، والنصوص وغايتها وقد نتج عن اهتمامهم بتلك الصفات الداخلية وتطبيقاتها ونسبها وعلاقاتها فقها خلقيا وسلوكيا وأدبيا ألزموا به المريدين شأنه شأن الفقه العام الموجه والمصحح لسائر العبادات ، ولا تكاد تمر مسألة نفسية أو صفاتية إلا وجدت لها وجوها من التحاليل يتبعها عدة أحكام تخصها ، وكأنك عندما تتجول في ساحة التفريعات الصفاتية وما يصدرونه من أحكام لها تسير بين ثنايا ومسائل علم الفقه الظاهري .
ويكفى أن تلقى نظرة على كتاب من كتبهم يتناول الآداب مثل آداب المريدين للترمذي ، أو آداب المريدين لأبي النجبب السهروردي ، أو الأنوار القدسية للشعرانى لتتحقق من صحة اتجاههم الفقهي في علوم المعاملات السلوكية ، ولتلمس بيديك وبصرك وعقلك كيفية استغوارهم للنفس وصفاتها ، واستنباط الأحكام من النصوص الأخلاقية والآدابية ، وسنعقد هنا جولة مع فقه آداب الصحبة ترينا كيف كانوا يفهمون ويطبقون ، وينصحون ويوجهون ، وسنحاول تبويب الآداب حسب الأرومة التي تنتمى إليها .