أو صغيرا ، فمنعوا صحبة الفجار ، والفساق ، والأشرار وأهل البدع والفساد ، وعللوا ذلك بخشية انتقال الفجور من الفاجر إلى غيره ، ولأن الفسق داء ، والدواء مفارقته ، وقد يسرى الشر إلى المريد وأقله سوء الظن بالأخيار ، والسير مع أهل البدع يورث الإعراض عن الخلق 27 .
ثم انتقلوا من النهى عن ألفة هؤلاء إلى التحذير من صحبة أبناء الدنيا لأن عشرتهم سم قاتل ، وهم ينتفعون بالمريد وهو ينتقص بهم ، وكذلك أوصوا بالتباعد عن الأغنياء وبينوا أن من آثر صحبتهم على الفقراء ابتلاه اللّه بموت القلب حسبما قال سعيد بن سلام المغربي ( 373 ه ) وعدد أبو بكر الوراق أنواعا قال : ( احذر صحبة السلطان إبقاء على نفسك ، والملوك إبقاء على خلقك ، والسوقة إبقاء على خلقك والصبيان والنساء إبقاء على قلبك ) ونصح الهروي سائر المريدين باجتناب كل من يضيع الوقت أو يفسده 28 .
ثم انتقلوا انتقاله ثالثة فحذروا من صحبة الجهال خوفا من أن يتعدى جهلهم إلى مصاحبيهم ومن صحبة الأحمق واعتبروها غينا 29 ، وكذا صحبة العلماء الغافلين أو العلماء الذين يرضون عن أنفسهم ، ومن القراء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين 30 وأدخلوا مع هؤلاء كل من يسترسل في الغيبة ، أو يزكى نفسه ويعظم ذنب الغير ، أو يحقر ذنبه ولا يقيل عثرة لأحد ، أو أرباب الطمع وحب الرياسة 31 ، أو الذين يمدحون الناس بما ليس فيهم أو بغير ما قيل لأنهم إن غضبوا ذموا بما ليس موجودا ، وعموما لا تصحب كل من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على اللّه مقاله ، وانبذ كل أخ أو صاحب لم تستفد منه خيرا في دينك .
فقد رأيت أنهم حذروا من صحبة أنواع ثلاثة : نوع تفحمت نفسه من الفجور والفسق والشر والفساد والبدع ، وآخر ارتبط بالدنيا حبا وثراء وجاها وسلطانا ، ونوع ثالث ربما يظن به الخير وهو ليس كذلك ، وعددوا منهم الجهال ، والعلماء الغافلين أو الراضين عن أنفسهم وغير هؤلاء ممن جاء تحت الانتقالة الثالثة المشار إليها ، والملفت للنظر في هذا النوع الأخير أنهم حذروا من صحبة الصوفية الجاهلين
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 516
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥١٦