" ذكرتكم اللّه رؤيته ، وزادكم في علمكم منطقه ، ورغبكم في الآخرة عمله " وعلى قد الاختيار تكون المنفعة ويكون الحكم على الشخص الطالب للصحبة ذاته ، فإذا اختار أهل الصلاح والخير كان خيرا وان كان شريرا لأن تلك الصحبة تجعله بإذن اللّه خيرا فتتبدل بها صفاته ، وان فرط في الاختيار فمال إلى أهل الفساد كان شريرا ولو كان خيرا لانتقال الشر والفساد إليه حسبما نبه الهجويرى 15 .
والنظر والتحري في انتقاء الصحبة قد يوصل إلى الألفة مع من يشبهه الطالب أو من يفوقه ، فإن تآلف وصاحب من يشبهه فلابد أن يتصفوا بصفات يتحقق معها جميل الفائدة ، وعميم النفع ، ومن تلك الصفات ما حدده عمر رضى اللّه عنه في قوله ( عليك بإخوان الصدق تعش في أكفافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء ) 16 ، والشخص الذي يستحق الصحبة هو بالنسبة إليك ( من لا تكتمه شيئا يعلمه اللّه تعالى منك ) عند ذي النون والجنيد ، ويمكننا أن نذوق طعم معاشرة أهل الجنة في صحبة الفقراء الصادقين على حد قول المحاسبي ( 243 ه ) 17 وأوصى أبو عثمان سعيد بن سالم المغربي ( 373 ه ) كل مريد فقال ( لا تصحب إلا أمينا أو معينا ، فإن الأمين يحملك عى الصدق ، والمعين يعينك على الطاعة ) 18 ، وبعقلانية المؤلف حدد الغزالي ( 505 ه ) شروط الصحبة بالعقل ، وحسن الخلق والصلاح ، والصدق ، وعدم الحرص على الدنيا 19 .
وأضاف الجيلاني قوة الإيمان والإيقان والعمل والمجاهدة ، وقهر النفس والهوى 20 .
وإذا قلنا إن المريد قد يختار من يشبهه لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على تمام المساواة بين الصديق الطالب والأصدقاء المطلوبين بل لابد أن يبقى المطلوب متفوقا ليستفاد منه ، وقد ألمح الشيخ أبو الحسن الشاذلي إلى هذا الفرق في قوله ( لا تصحب إلا من تستعين به عى طاعة اللّه ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا ) 21 ومن كان في المستوى أو أدنى لا تتحقق به هذه الزيادة بل تظل حاله من الفتور أو الكسل كما هي ، ولا تسمو إلى
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 514
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥١٤