صب الماء ، ثم قام يصلى فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك يبكى حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة ، فقلت يا رسول اللّه ما يبكيك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال " أفلا أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل ذلك وقد أنزل اللّه تعالى عليّ :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
32 [ آل عمران : 190 ] .
وكلام أبى حازم السابق يجعل المرء يتساءل ، هل يكفى الشكر باللسان فقط ؟ والحق : أن أكمل الشكر ما اجتمع فيه اعتراف القلب ، وثناء اللسان ، وتصديق الأركان ، ولا يمنع ذلك اعتبار شكر اللسان ، فهو أقل ما يكون به الشكر ، ومن لم يشكر بلسانه ، وعجز عنه لغير مانع ، فذلك دليل خبث النفس ، وما ذلك إلا لسهولة شكر اللسان .
يقول ابن مسكويه : ولست أعنى بالشكر المكافأة التي ربما يعجز عنها بالفعل ، ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافئ بما يستطيع وبما يقدر عليه ، ويغتنم الجميل الذي يسدى إليه ويراه حقا ، أو يتكاسل عن شكره باللسان وليس أحد يتعذر عليه نشر النعمة التي تتولاه ، والثناء على صاحبها ، والاعتداد له بها 33 .
ومن جميل ما يذكر هنا قول الشاعر :
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه * يوما فتدركه عقوبة ما جنى
يجزيك أو يثنى عليك وإنّ مني * أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
ولما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذين البيتين قال : ما أحسن ما قال 34 .
وقول محرز بن الفضيل :
علامة شكر المرء إعلان شكره * ومن شكر المعروف منه فما كفر 35
من فضائل الشكر :
1 ) أن اللّه سبحانه وتعالى وصف نفسه به ، قال تعالى :
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
( البقرة : 158 ) .
وقال عز من قائل :
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
( النساء : 147 ) .
ويكفى العابد المطيع عزا وشرفا أن يتصف بمعانى صفات ربه ، ولعل هذا من الحكم في تعليم اللّه لنا بعض أسمائه وصفاته .
2 ) الشكر نصف الإيمان ؛ فالإيمان