عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه تعالى - فقام شابّ يتكلم فقال عمر : الأكبر الأكبر ، فقال : يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسن منك . . فقال تكلم فقال الشاب : لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة ، أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك ، وأما الرهبة فقد أمّننا فيها عدلك ، أما نحن فوفد الشكر جئنا لشكرك باللسان وننصرف 28 .
وشكر الجوارح معناه :
استعمال نعم اللّه تعالى في طاعته ، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته ، أو بعبارة القشيري : اتصاف البدن بالوفاء والخدمة 29 .
ويقول الغزالي في شكر الجوارح :
حتى أن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه للمسلم ، ومن شكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه 30 .
قال : رجل لأبى حازم
ما شكر العينين يا أبا حازم ؟
قال : إن رأيت بهما خيرا أعلنته ، وإن رأيت بهما شرا سترته .
قال : فما شكر الأذنين ؟
قال : إن سمعت بهما خيرا وعيته ، وإن سمعت بهما شرا دفعته .
قال : فما شكر اليدين ؟
قال : لا تأخذ بهما ما ليس لهما . ولا تمنع حقا للّه علما .
قال : فما شكر الفرج ؟
قال : قال اللّه تعالى :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
( المؤمنون : 6 - 7 ) .
قال : فما شكر الرجلين ؟
قال : إذا رأيت حيا غبطته استعلمت بهما علمه ، وإن رأيت ميتا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر للّه .
فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه ، فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه ، فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر 31 .
ومن شكر الجوارح ما روى عن ابن عطاء أنه قال : دخلت على عائشة - رضى اللّه عنها - فقلت لها : أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبكت وقالت : وأي شأنه لم يكن عجبا ؟ أتاني ليلة فدخل معي في فراشي - أو قالت في لحافي - حتى مس جلدي جلده ثم قال " يا ابنة أبى بكر ذرينى أتعبد لربي " فقالت : قلت إني أحب قربك لكني أوثر هواك فأذنت له ، فقام إلى قربة ماء فتوضأ فلم يكثر