استماعهم القرآن ، فمدحهم اللّه تعالى بذلك 52 .
وإذن ، فالمعول عليه ، حسب قول السراج ، عند استماع القرآن ، هو : حضور القلب ، والتدبر ، والتفكر والتذكر ، وعلى ما يصادف قلب السامع من قراءته ، فيكون الغالب على وقته في استماعه القرآن فإذا لم يكن له حال ، ولم يكن في قلبه وجد يطرقه ما سمعه من القرآن ، ويوافقه ، ويزعجه ، فمثل
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( 171 ) ( البقرة : 171 ) 53 .
ووقائع الصوفية في ذلك كثيرة جدا ، نجتزئ منها بالنماذج التالية :
- فيذكر السراج أن " زرارة بن أوفى ، من الصحابة ، أم بالناس ، فقرأ آية من كتاب اللّه ، فصعق ، ومات " 54 . وشهق أبو جهير ، من التابعين ، ومات حين قرأ عليه صالح المرى 55 وكان للفضيل ابن عياض ، المتوفى سنة 187 ه ، ولد اسمه على ، وكان أقوى منه في الزهد والتقوى والعبادة ، فقرأ قارئ عند زمزم
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
( إبراهيم : 49 ) ، فسمعه ، فزعق ، وخر ميتا .
- قال شيخ الإسلام : من المحب إشارة ، ومن العارف بذل الروح ) 56 .
- والتراث الصوفي استوفى كل جوانب هذا المجال ، ووصف ما لا يحصى من ألوان ردود الفعل الروحانية العنيفة ، التي تصل إلى موت صاحبها أو تكاد 57 .
خاصة في نقد أهل السلف لتصنع " الغلبة والوجد " وافتعالهما . ومع ذلك ، فقد أبدع بعض كبار القوم معراجا لتلاوة القرآن ، يعول على حلاوة الاستماع ، ودرجته ، وليدة حضور القلب ، والغيبة عن حظوط الدنيا والنفس ، بقوة المشاهدة ، وصفاء الذكر .
فيذكر الشعراني ، المتوفى سنة 973 ه ، صورة أكثر حيوية وملائمة للسياق الحالي ، مما ذكره السراج الطوسي 58 ، فيقول : " . . . كان مسلم الخواص يقول :
كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة ، فقلت لنفسي : اقرئية كأنك تسمعيه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجاءت حلاوته ، ثم أردت زيادة فقلت : اقرئية كأنك تسمعنه من جبريل عليه السلام ، ينزل به على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فزادت حلاوته ، ثم قلت : اقرئية كأنك تسمعيه من رب العالمين ، فجاءت الحلاوة كلها . . " 59 .
- فهذا المعراج يتدرج في الحلاوة ،