واقعة أخرى يتبين منها رغبة شجرة أخرى في أن يتناول الصوفية من ثمرها ، استفادة من بركتهم وعطفهم : فيقص محمد بن المبارك الصوري قائلا : " كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس ، فنزلنا وقت القيلولة ، تحت شجرة رمانة ، فصلينا ركعات ، وسمعت صوتا من أصل تلك الرمانة يقول : يا أبا إسحاق ! أكرمنا بأن تأكل منا شيئا ! فطأطأ إبراهيم رأسه ، فقال الصوت ( ثلاث مرات ) ثم قال : يا محمد ، كن شيفعنا إليه ليتناول منا شيئا ، فقلت له : يا أبا إسحق ! لقد سمعت ، فقام ، وأخذ رمانتين ، فأكل واحدة ، وناولني الأخرى ، فأكلتها وهي حامضة ، وكانت شجرة قصيرة ، فلما رجعنا من زيارتنا ، إذا هي شجرة عالية ، ورمانها حلو ، وهي تثمر في كل عام مرتين ، وسموها رمانة العابدين " 47 .
ج ) سماع الريح :
وهذا النوع من السماع يمثل تيارا ضعيفا ، ولم تذكر المصادر الصوفية القديمة عنه الكثير ، وقد ظفرنا بمثال له يكاد يكون فريدا ، وتمثله القصة التالية :
فيذكر الجامي ، المتوفى سنة 898 ه ، أن أبا حمزة الخراساني ، المتوفى سنة 290 ه " سمع صوت الرياح فحصل له الوجد . . . . " ويوما كان في بيت الحارث المحاسبي المتوفى سنة 245 ه ، " فسمع صوت الرياح أيضا ، فحصل له الوجد ، فقال : عز اللّه جل جلاله ! فقال الحارث المحاسبي : كيف هذا الحال ؟ بين لي وإلا قتلك ؟ ! فقال أبو حمزة : يا مسكين ! اخلط النخالة والرماد ، وكل مدة من السنين حتى يتبين لك هذه المسألة " 48 .
ومغزى القصة يوحى بإنكار الحارث المحاسبي هذا اللون من السماع ما لم يعرف سره ، فما كان من أبى حمزة إلا أن علق المعرفة على شرط شديد الصعوبة في تحققه وتحمله ، ولكن القشيري يورد نصا شاملا لأنواع السماع ، نقلا عن أبي عثمان المغربي ، فيقول : " من ادعى السماع ، ولم يسمع صوت الطيور ، وصرير الباب ، وتصفيق الرياح ، فهو فقير مدع " 49 .
أما من حيث سماع الصوفي لكلام المخلوقات :
فيعلل الجيلى قدرة الصوفي على ممارسة هذا اللون من الكشف السماعى ، بفكرته عن التجليات الإلهية ، فهو يعتبر أن هذا الصوفي قد تجلى اللّه