عليه بصفة السمع ، فإذا هو يسمع كل شيء ، وقد خبر الجيلى هذا التجلي ، فوصفه بدقة قائلا : " . . . ومنهم من تجلى اللّه عليه بصفة السمع ، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة ، واختلاف اللغات ، وكان البعيد عنده كالقريب ، وذلك أنه لما تجلى اللّه له بصفة السمع ، سمع بقوة أحدية تلك الصفة ، اختلاف تلك اللغات ، وهمس الجمادات والنباتات . وفي هذا التجلي سمعت علم الرحمانية من الرحمن ، فتعلمت قراءة القرآن ، فكنت الرطل ، وكان الميزان . . وهذا لا يفهمه إلا أهل القرآن ، الذين هم أهل اللّه وخاصته . . . " 50 .
[ أنواع السماع للصوفية ]
السماع في القرآن ، أو في الأشعار ، أو في كليهما :
وهذا يعنى أن هذا التصنيف يعول ، حسبما ورد في العنوان ، على مجالات ثلاثة :
أ ) السماع في القرآن :
وبادئ ذي بدء ، لابد أن ننوه بان جمهور الصوفية يتحسب إلى حد بعيد من الاقتراب من السماع في القرآن عمليا لشدة وطأة روحانيات هذا الكتاب الكريم ، ومع ذلك فإنهم تناولوا هذا المجال نظريا ، ومن هنا ، نرى السراج الطوسي يقسم أصحاب
هذا السماع إلى قسمين :
القسم الأول : [ سماع ينقصه التدبر وحضور القلب ]
سماع ينقصه التدبر وحضور القلب ، وقد وصفهم اللّه تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
( 16 ) ( محمد :
16 ) فهؤلاء كانوا يستمعون القرآن بآذانهم ، ولم يعتبروا بحضور قلوبهم ، فذمهم اللّه تعالى بذلك ، وطبع على قلوبهم 51 . وقد حذر اللّه سبحانه من محاكاتهم ، والتأسي بهم ، فقال تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
( 21 ) ( الأنفال : 21 ) .
القسم الثاني : [ سماع التدبر وحضور القلب ]
سماع التدبر وحضور القلب ، وقد وصف القرآن أصحاب هذا السماع بقوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( المائدة : 83 ) . فهؤلاء هم الذين سمعوا القرآن ، لأنهم حضروا بقلوبهم عند