والصديقون هم أصحاب المرتبة التالية للمبتدئين . ولأنهم في مرتبة متوسطة بين البدايات والنهايات ، فإنهم يطلبون الزيادة في أحوالهم ، كي يبلغوا مرتبة الكمال . وهذا أمر عادى ، ولكن المهم هو النصف الثاني من عبارة أبو عثمان الحيري : " . . . ويسمعون من ذلك ما يوافق أحوالهم وأوقاتهم . . . " لأن هذا المنحى في السماع أصبح منهجا ثابتا في تفسير وفهم العديد من النصوص الصوفية الملفزة ، التي أساء فهمها وتفسيرها بعض الباحثين المعاصرين كعبد الرحمن بدوي من الباحثين الشرقيين ، ولوى ماسينيون
luis massignon
من الباحثين الغربيين 28 .
ويعزز السراج الطوسي هذا التعريف بتعريف آخر ، ينقله عن بعضهم ، فيقول أنهم " . . . يرجعون فيما يسمعون إلى مخاطبات أحوالهم ، وأوقاتهم ومقاماتهم ، وهم مرتبطون بالعلم ، ومطالبون بالصدق فيما يشيرون إليه من ذلك . . . " 29 .
ولأنهم يسمعون ما يوافق أحوالهم ومقاماتهم ، وهي قلما تتفق ، " . . . لأن الناس مختلفون في طلب اللّه تعالى . . " 30 ، على نحو ما يذكر الشيخ عبد الكريم الجيلى ، فقد وقع الخلاف بينهم ، لأن كلا يحمل المعنى على وفق مرتبته في الطريق .
ويورد لنا الجيلى الكثير ، والجم الغفير في هذا الميدان ، فهو يقول بادئ ذي بدء : " . . . واعلم أن المستمعين ، وإن اشتركوا في سماع مجرد الألفاظ ، فقد تباينوا في سماع معانيها ، فرب كلمة موضوعة لمعنى القرب ، قد فهم منها معنى البعد ، وبالعكس على قدر المقام والمستمع . . . ثم أعلم أن اختلاف الفهوم فيما يسمع منوط بمقام السامع ، كما تقدم ذكره ، على قدر قابليته ، لا يحسن أن يتعدى مقامه ضرورة ، ومن هنا وقع الخلاف بين سائر العالمين ، في جميع ما اختلفوا فيه ، لأن كلا يحمل المعنى على ما يقتضيه أمره . . . " 31 .
ويسترسل الجيلى في تفصيل هذه النقطة ، فلا يكتفى بذكر مرتبة الصوفي ، بل يبين لنا دقائق السماع وفقا للمقامات والأحوال " . . . فاعلم أن كل طائفة تأتى أمرا ما فهي مختلفة في ذلك ، ، فمنهم من يكمله ، ومن يقرب من الكمال ، ومن يقتصر على جزء منه ، على قدر الاستعداد والقابلية التي جعلها اللّه في عباده . فكذلك أهل السماع مختلفون في حمل المعاني على قدرهم : فما من