سر من أسرار اللّه تعالى في الوجود . . . " 20 فالسماع إذن ، وارد حق ، وآلته الظاهرة الأساسية هي السمع ، والباطنة هي القلب أو السر أو الروح . وثمراته لا تحصى ، كما أن مخاطره جسام ، على غير ذوى الإقدام ، ولكي يتحقق به الصوفي ، وينال ثمراته ، فلابد له من " السماع : وهو الإصغاء ، والاستماع ، بحضور القلب " 21 .
وهذه أوصاف أهل الحق ، كما يقول أبو عثمان المغربي المتوفى سنة 373 ه ، :
" قلوب أهل الحق قلوب حاضرة ، وأسماعهم أسماع مفتوحة " 22 .
وفي هذا السياق يبرز تعريف عبد الكريم الجيلى ، تعريفا جامعا لكل هذه الخصائص التي طالعناها في التعريفات والنصوص السابقة . ولا ينبغي أن يعترينا الدهش من ذلك ، ولابد أن نألف اكتشاف أن الجيلى يمثل أقصى درجات التطور في مفهوم مصطلح " السماع " في كل مرحلة من مراحله ، وتصنيف من تصنيفاته . ويرد تعريف الجيلى على النحو التالي : " . . .
السماع : هو التلقي من الحق بالحق على طريقة الاستماع وهو الذكر الخفي . . . " 23 .
فالاستماع يكون بحضور القلب ، والذكر الخفي هو ذكر السر ، وهما أعلى درجات الحواس الباطنة . فكأن الجيلى ، إذن ، يقصد سماع الصوفي بكليته . وهذا هو ما أورده عبد الكريم الجيلى ، نفسه ، في تعقيبه على قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) ( سورة ق : 37 ) " . . . فالقلب في الآية ، يعنى :
يفهم به عن اللّه ، ( أو ألقى السمع وهو شهيد ) يعنى أنه يصغى بكليته ، فيشهد ببصيرته ، موقنا ما يلقى إليه ، إما ظاهرا أو باطنا . فعلم من ذلك أن حقيقة الذكرى لا تحصل إلا لمن كانت فيه إحدى الخصلتين . . . " 24 . وهذا يعنى أن تعريف الجيلى هو أجمع تعريفات مصطلح " السماع " ، وأشملها لخصائصه الظاهرة والباطنة .
تصنيفات السماع :
هناك تيار يتناول السماع من حيث مرتبة صاحب السماع في الطريق الصوفي ، أي من حيث كونه مريدا مبتدئا ، ثم شيخا ، ثم خصوص الخصوص .
وهناك تيار آخر يتناول السماع من حيث تعلقه بمظاهر الطبيعة من أشياء ومخلوقات .
وهناك تيار ثالث يتناول السماع من