وكذلك نتعرف على الآلات والحواس الباطنة التي استخدمها الصوفية في هذا المجال ، وغير ذلك من تفاصيل .
وأول هؤلاء الشيوخ هو ( ذو النون المصري ) ، المتوفى سنة 245 ه أو سنة 248 ه ، وهو يعرّف السماع بقوله : " . . . وارد حق يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق 7 . وهذا التعريف يتضمن كنه السماع " وارد حق " ووظيفته " إزعاج القلوب إلى الحق " ثم كيفية الإصغاء إليه ، وما يترتب على هذه الكيفية ، " فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق " . على أن استخدام ذي النون هنا لكلمة " يزعج " في التعبير عن توجه القلوب نحو الحق ، هو استخدام غريب ، لا يتفق مع الشكل الخارجي للسماع ، من حيث تناسق الصوت والنغم ، على نحو ما سبق ذكره ، وهذا يدفعنا إلى التساؤل :
هل المقصود من السماع هو مجرد الصوت ؟
أم أنه أمر آخر يتجاوز حسن الصوت أو قبحه ؟
إن الهجويرى ، المتوفى سنة 465 ه يجيبنا على هذا التساؤل ، في سياق تعقيبه على تعريف ذي النون السابق ، فيقول : " . . . إن هذا الصوفي الجليل لا يعنى أن السماع هو سبب الوصول إلى اللّه
Attaining Unto God
ولكنه يعنى أن السامع عليه أن يسمع الحقيقة الروحية ، وليس مجرد الصوت ، وأن وارد الحق ينبغي أن يستقر في قلبه ويزعجه ، ومن كان في هذا السماع يتبع الحق ، فإنه ينعم بالكشف على حين أن من يتبع نفسه سيحجب . . . " 8 .
ويؤكد أبو طالب المكي ، المتوفى سنة 386 ه ، هذا المعنى ، بعبارة أكثر وضوحا ، فيقول : " . . . والسامع المحق يأخذ المعاني من الصوت ، ولا يلتفت إلى التنغيم بها فمن سمع على التشبيه والتمثيل : ألحد .
ومن سمع على الهوى والشهوة : فقد لعب ولها ومن سمع باستخراج الفهم ، على معاني صفات الحق ، ونظر وتطرق ، ودليل على آيات صدق : كان سامعا على مزيد ، وهذه طرائق أهل التوحيد 9 .
" وإذا كان السماع ليس هو مجرد الصوت ، وإنما هو الحقيقة الروحية ، ومعاني صفات حق ، الواردة على قلب السامع ، لكي تستقر فيه ، بحيث تجعله ينفض عنه كسله وتراخيه ، تأهبا للوصول والتحقق - كان استعمال كلمة