ويطلق الزهد في الزهد في الذي يزهد في نفسه ، حيث إن نفسه ماتت عن جميع حظوظها ، وعن كل طمع حتى عن روحه ، ولم يبق له ما يزهد فيه ، فزهد في نفسه ، وتعلق بربه ولم يشغله عنه شيء 58 .
والزهد في الزهد هو الدرجة الرابعة للزهد حسب قوته عند بعض مشايخ الصوفية ، وهي أعلى درجات الزهد ، وقد عبّر بعضهم عن فضله ، فقال أبو طالب المكي : وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين ، وهو الزهد في النفس ، لا الزهد لأجل النفس ، ولا للرغبة في الزهد للزهد ، وهذه مشاهدة الصديقين ، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين 59 .
وقال الشيخ عماد الدين الأموي الإسنوى ت 764 ه في حياة القلوب :
وهو زهد الغنى ، فإنه للأنبياء أيضا ، ولمن اصطفاه اللّه تعالى من أتباعهم . . . ، وهو أعسر حالات الزهد وأشقها وأجلها وأعظمها .
وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين : فهذا زهد الخاصة 60 ، وجعله بعضهم درجة ثالثة وأخيرة للزهد ، فالإمام الهروي في منازل السائرين صنّف الزهد في ثلاث درجات ؛ جعل الثالثة والعليا منه : الزهد في الزهد ، وذهب إلى أنه يتحقق بثلاثة أشياء :
1 - استحقار ما زهد فيه .
2 - استواء الحالات فيه عنده ، بحيث يستوى عنده ترك ما زهد فيه وأخذه .
3 - الذهاب عن شهود الاكتساب ، ناظرا إلى وادى الحقائق .
بمعنى : أنه لا يرى أنه اكتسب بزهده درجة عند اللّه ، أو بمعنى أنه يشاهد الباري تعالى بالعطاء والمنع ، فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا ، بل اللّه تعالى هو المعطى المانع ، فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه ، فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادى الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه ، وهو معنى قوله : ناظرا إلى وادى الحقائق .
وكذلك الإمام الغزالي جعله في الدرجة الثالثة وهي العليا : أن يزهد في زهده ، فلا يرى زهده ؛ إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، وقال هذا هو الكمال في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 450
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٤٥٠