لم تكن تراه فإنّه يراك 51 .
وعند الصوفية : المراقبة ؛ فإن الإحسان عندهم اسم لمقام يكون العبد فيه ملاحظا لآثار أسماء الحق وصفاته ، فيتصور في عبادته كأنه بين يدي اللّه تعالى 52 . والمراقبة عندهم : علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه ، واستدامته لهذا العلم ، وقد عبّر بعضهم عن حقيقة المراقبة بأنها ملاحظة الرقيب ودوام النظر بالقلب إليه ، وانصراف الهم إليه ، ومراقبة ما يبدو من أفعاله وأحكامه 53 .
أما صلة الزهد بالإحسان فهي وثيقة وقوية ، فقد سمّى اللّه تعالى الزاهدين محسنين ووضع عنهم السبيل فقال تعالى :
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ . . .
ثم قال :
. . . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ . . .
( التوبة : 91 ) . ثم نص على ذكر من عليه الحجة والمطالبة فقال تعالى :
* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ . . .
( التوبة : 93 ) .
وعلى هذا المعنى جاء تفسير قوله تعالى
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
( الكهف 7 ) : قيل : أزهد في الدنيا ، فصار الإحسان مقام الزاهدين ، وهو وصف اليقين .
كذلك فسره الرسول صلى اللّه عليه وسلم لما سئل ما الإحسان ؟ فقال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » يعنى : على اليقين .
ولهذا أكد الصوفية أن الزهد حال الموقن ؛ لأنه مقتضى يقينه .
وقد اشترطوا الزهد في مقام الإحسان ؛ لأن من شرط المراقب للّه تعالى أن لا يلتفت إلى الدنيا 54 .
أصناف الزهد بحسب درجات قوته وأحكامه :
جمهور الصوفية على أن الزهد على درجات هي أصناف له حسب تعلقه بالحكم التكليفي ، وأن أوله هو الزهد في الحرام ، ويليه في الرتبة الزهد في المباح ، وأعلى مراتبه الزهد في الفضول ، والفضول كل مالك فيه غنى .
وقد عبر السادة الصوفية عن درجات الزهد بإشارات متنوعة :
فقد روى عن إبراهيم بن أدهم ت 161 ه أنه قال : الزهد ثلاثة أصناف :
فزهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة .