الزهد والتوكل :
التوكل في اللغة : مشتق من الوكالة . وكل إليه الأمر وكلا :
سلمه وفوضه إليه ، وكل باللّه وتوكّل على اللّه : استسلم إليه .
وفي اصطلاح الصوفية : قال ذو النون المصري : ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة ، وقال الهروي : كلة الأمر إلى مالكه ، والتعويل على وكالته 43 .
وصلة الزهد بالتوكل وثيقة ، فالزهد يشبه التوكل ، وقد عقد أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب مبحثا تحت عنوان : ذكر تشبيه التوكل بالزهد ، قال فيه : اعلم أنّ التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكّل ، ورزق الزاهد من الآخرة على هذا الوصف المخصوص ، من حرمان نصيب الدنيا ، وحمايته عن التكاثر منها والتوسع فيها ، فيكون التوكل والزهد سبب ذلك ، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى 44 .
وفي إشاراتهم ما يدل على تداخل الزهد والتوكل ، وأن الزهد يحقق التوكل :
قال أبو طالب المكي : فالزهد يدخل في التوكل ، ونقل قول سهل ت 283 ه : الزهد كلّه باب من التوكّل ، وقوله : أول الزهد التوكل .
وقال أبو سليمان الدارانى : آخر أقدام الزاهدين أول أقدام المتوكلين 45 .
وقال السهروردي : فإذا صح زهد العبد صح توكله أيضا ؛ لأن صدق توكله مكنه من زهده في الموجود ، وقال : والزاهد يتحقق فيه التوكل ؛ لأنه لا يزهد في الموجود إلا لاعتماده على الموعود ، والسكون إلى وعد اللّه تعالى هو عين التوكل 46 .
وبعضهم أشار إلى أن التوكل شرط في الزهد ؛ فقد روى عن أويس القرني رضي اللّه عنه أنه قال : إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه ، وقد علّق عليه الإمام الغزالي في الإحياء قائلا : ما قصد بهذا حد الزهد ، ولكنه جعل