قرناء كالخوف والرجاء ؛ ولذلك غالبا ما يقرنون بينهما تحت عنوان واحد ، فعلى لسانهم أن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ، والصبر والشكر حالان ، ومقامان متداخلان ، يقول أبو طالب المكي :
واعلم أن الشكر داخل في الصبر ، والصبر جامع للشكر ، ويقول : وقد يكون الصبر والشكر حالين وقد يكونان مقامين ، فمن كان مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه ، فهو أفضل ؛ لأنه صاحب مقام ، ومن كان مقامه الشكر كان حاله الصبر عليه ، فحاله مزيد لمقامه ، فقد صار الصبر مزيدا للشاكر في مقامه 37 .
وأمّا عن ارتباط الزهد بهما : ففي إشارات الصوفية ما يدل على ذلك :
فهما حقيقة الزهد ؛ فقد سئل الإمام الزهري ما الزهد ؟ فقال : من لم يغلب الحرام صبره ، ولم يمنع الحلال شكره .
وروى عن أحمد بن أبي الحوارى ت 230 ه أنه قال : قلت لسفيان بن عيينة ت 198 ه : ما الزهد في الدنيا ؟
قال : « من إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلى صبر » قلت : يا أبا محمد ، قد أنعم عليه فشكر ، وابتلى فصبر ، وجليس النعمة كيف يكون زاهدا ؟
فضربني بيده ، وقال : « اسكت ، من لم تمنعه النعماء من الشكر ، ولا البلوى عن الصبر ، فذلك الزهد 38 .
والصبر وجه للزهد ؛ وذلك من حيث إن الصبر النفسي الذي هو صبر عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى إن كان عن فضول العيش سمى زهدا ويضاده الحرص 39 .
ورأس الزهد ؛ فقد روى عن بعضهم أنه قال : من رضى الدنيا من الآخرة حظا فقد أخطأ حظ نفسه ، والصبر على الدنيا رأس الزهد فيها .
وطريقه : قال المكي : فمن صبر عن الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى الورع ، ومن صبر عن الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد .
وحال الزاهدين ؛ قال المكي : ومن الصبر صون الفقر وإخفاؤه ، والصبر على بلاء اللّه تعالى في طوارق الفاقات ، وهذا حال الزاهدين الراضين .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 444
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٤٤٤