يكون البخيل زاهدا ؛ لأن أول الزهد الجود ، وقال : فالسخاء وصف الزاهد ، ولا يكون الزاهد إلا سخيّا ، والبخل وصف الراغب ، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ، ولا يكون البخيل زاهدا ؛ لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء ، والبخل يدعو إلى إمساكه ، فنفس السخاء زهد ، فلذلك ذمّ البخل لأنه رغبة في الدنيا 30 .
الزهد والفقر :
الفقر في اللغة : الحاجة والعوز .
وفي اصطلاح الصوفية : حقيقته أن لا يستغنى إلا باللّه ، ورسمه : عدم الأسباب كلها وقد عبّر عنه بعضهم بأنه : اسم للبراءة من الملكة ، وعند بعضهم : أن لا تكون لنفسك ، ولا يكون لها منك شيء ، بحيث تكون كلك للّه 31 .
وللسادة الصوفية إشارات متنوعة إلى حقيقة الفقر ، ونعت الفقير الصادق ، من ذلك :
سئل أبو الحسن النّورى ت 295 ه عن الفقير الصادق ؟ فقال : الذي لا يتهم اللّه تعالى في الأسباب ، ويسكن إليه في كل حال ، وقال : نعت الفقير السكون عند العدم ، والبذل والإيثار عند الوجود ، وسئل أبو محمد رويم عن حقيقة الفقر ، فقال : أخذ الشيء من جهته ، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة ، وقال : الفقر عدم كل موجود ، وترك كل مفقود .
وسئل يوسف بن الحسين الرازي ت 304 ه عن الفقير الصادق فقال : من آثر وقته ، فإن كان فيه تطلع إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر 32 .
وعلى ما ذكرنا من إشارات يظهر ارتباط الزهد بالفقر واقترانه به ، بل أشار مشايخ الصوفية إلى معانقة الزهد للفقر واستناده إليه ؛ فقد قال السراج الطوسي : الزهد يقتضى معانقة الفقر واختياره ، وأشار أبو طالب المكي إلى أن الفقير الذي لا شيء يوجد له يتحقق له مقام من الزهد في المعدوم إذا قام بشرطه ؛ وهو أن لا يحب وجود الشيء ، ولا يأسى على فقده ، أو يكون مغتبطا بعدمه مسرورا بفقره ، وأن من كان بهذا الوصف حسب له جميع ذلك زهدا وكان له بأحد هذه المعاني ثواب الزاهدين وإن لم يكن للدنيا واجدا .