تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
تحسن التقوى إلا بزهد ، وسئل معروف الكرخي ت 200 ه عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة ؟ فقال : بإخراج الدنيا من قلوبهم 18 . ونقل أبو طالب المكي ت 386 ه عن بعضهم : ليس عمل من أعمال البر يجمع الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا 19 . والزهد عند الصوفية مقام شريف من مقامات اليقين ، وهو أساس الأحوال والمقامات ، وهو أول قدم القاصدين إلى اللّه ، وصلته وثيقة بمقامات السالكين وأحوالهم وأخلاق الإيمان كلها ، فهو يقتضى بعضها ، وبعضها يقتضيه ، وهو حال لبعضها ، وبعضها حال له ، وهو شرط لبعضها وبعضها شرط له ، وهو ركن في بعضها ، وبعضها وجه له ، وبالجملة فهو كمال مراتب السلوك ، وبه تتحقق سائر المقامات . قال السهروردي ت 632 ه : وكلما بقي على العبد بقية في تحقيق المقامات كلها بعد توبته يستدركه بزهده في الدنيا 20 .

الزهد والقناعة :

القناعة في اللغة : الرضا بالقسم ، يقال : قنع قنعا وقناعة : رضى بما أعطى . وفي اصطلاح الصوفية قال الإمام أبو عبد اللّه بن خفيف ت 371 ه : ترك التشوف إلى المفقود ، والاستغناء بالموجود ، وقيل : السكون عند عدم المألوفات 21 . وعلى هذا فالصلة بين الزهد والقناعة وثيقة ، فهما يتقاربان معنى ؛ فالقناعة : الرضا بما دون الكفاية ، والزهد : الاقتصار على الزهيد ، وهما يتقاربان ، لكن القناعة تقال اعتبارا برضا النفس ، والزهد يقال اعتبارا بالمتناول لحظ النفس ، بل إن القناعة طرف من الزهد وأساس له ، فإنه لا يصح الزهد إلا لمن أعرض عن الدنيا وقنع منها بالكفاف ، وعلى لسان الصوفية : القناعة أول باب الزهد ، تنبيها على أن العبد يحتاج أولا إلى قمع نفسه ، والتحصن بالقناعة ليسهل له الزهد . بل يشير بعضهم إلى أن القناعة وجه للزهد ، فقد روى عن الفضيل بن