تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
التصوف ، وسمى الزهاد بالصوفية نسبة إلى الصوف ؛ لأنه غالب لباسهم 10 . والزهد الإسلامي يستند إلى الأمر والنهى الشرعيين ، وينطلق من هدى الشرع ؛ فقد هدى القرآن الكريم في آيات كثيرة ، ودعا النبي صلى اللّه عليه وسلم في أحاديث متعددة إلى الزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة ؛ وذلك بالكشف عن حقيقة الدنيا ، وبيان أنها دار ابتلاء واختبار ، وأنها ظل زائل لا قيمة له ، وأن متعها سريعة الزوال ، وما عليها إنما هو زينة وتفاخر ، والتحذير من الانغماس فيها ، والوعيد على إيثارها ، مع المقارنة بينها وبين الدار الآخرة ، والتنبيه إلى أن الآخرة هي دار القرار ، وأنها خير وأبقى .

أولا القرآن الكريم :

اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرة تزهد الناس في الدنيا ، وتصرفهم عنها ، وترغبهم في الآخرة ، ومن ذلك : قوله تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ
زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 24 ) ( يونس : 24 ) . في الآية : مثل ضربه اللّه تعالى لمن يغتر بالدنيا ويتمسك بها ، ويعرض عن الآخرة ، شبّه فيه حال الدنيا من الزوال والفناء مع زخرفها وزينتها بحال النبات حين عظم الانتفاع به جاءه أمر اللّه وأصابته آفة ؛ فصارت الزروع هالكة كأنها ما حصلت ، وخلفت الحسرة والألم لأهلها . وكذلك عاقبة المغتر بالدنيا المتمسك بها . عندما تعظم رغبته فيها يأتيه الموت ، وتفوته لذات الدنيا وطيباتها ، فيعظم حزنه وتشتد حسرته عليها ، وهو معنى قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
( الأنعام : 44 ) ؛ أي خاسرون للدنيا بعد أن أنفقوا فيها أعمارهم ، وخاسرون للآخرة . ولما حذر الباري - تعالى - الغافلين من الميل إلى الدنيا والاغترار بها ونفّرهم من الانغماس فيها عقّب ذلك في الآية التي بعدها بالترغيب في الدار الآخرة ، فقال تعالى :
وَاللَّهُ يَدْعُوا