من حيث إنه معارضة من جهة ، واعتراض من جهة أخرى .
أما أنه أضعف منازل السائرين فذلك يتضح بجلاء من مقارنة الرجاء ببعض المقامات الأخرى كالزهد والحب والإخلاص والصدق والشكر . . هذه كلها منازل لا يبغى السالك من ورائها نفعا أو مصلحة ! ! ، بمعنى أنه لم يسع من خلالها إلى دفع خوف أو جلب ( رجاء ) مصلحة لأن التصوف الحق ، كما فهمه الصوفية ، هو أن يكون الصوفي مع اللّه " بلا علاقة " كما قال الجنيد . وهذا هو عين ما قاله الحسن النوري ، حيث ذكر أن التصوف " ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها . ينبغي للصوفى أن يترك نفسه مسترسلة مع الحق سبحانه على ما يريد على حد تعبير أبى محمد رويم ، ومن ثم ينبغي للصوفى ، من حيث هو ، أن ينقاد للحق انقيادا كاملا ، بحيث لا يصح بل لا ينبغي أن يجزع من شئ أصابه لأن الجزع هنا نقص في المعرفة .
أما أن الرجاء معارضة واعتراض فذلك راجع إلى أن الصوفي يطمع في أن يحسن اللّه إليه ويزيده من نعمه ، ومن ثم يمكن أن يفهم الرجاء هنا بأنه معارضة للّه في حكمته ، لأن حكمته تعالى اقتضت أن يتأخر الفضل والإحسان ، بل وقد يغيبان عن العبد الذي لا يحق له المعارضة . كذلك قيل : إن الرجاء يعد لونا من ألوان الاعتراض من جهة أن قلب الراجي بمنن اللّه وعطاياه ، فلمّا لم تتحقق ، من وجهة نظر الصوفي ، رجا اللّه أن يعطيها له ، وهذا يعد أيضا - في زعم البعض - تدخلا في قضاء اللّه وقدره ، وهو ما يتنافى مع ما قلناه الآن ، من أن التصوف في جوهره رضاء كامل واستسلام كامل وانقياد كامل لقضاء اللّه وقدره .
إن مثل هذه الاعتراضات السابقة على " الرجاء " ليس لها ما يبررها البتة ، لأنا نرى أن الرجاء ، بحق ، من أهم وأجل وأعظم منازل السائرين ، ويكفى أن نشير هنا إلى أمور ثلاثة :
الأمر الأول : إن القرآن الكريم والسنة النبوية قد حثتا ورفعتا بل وحضّتا على الرجاء . إن من أسماء اللّه : التواب ، الغفار ، الستار ، العفو ، الرحيم ، الكريم . .
إلخ ، فمن هذه الجهة نجد أن أسماء اللّه
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 423
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٤٢٣