مذمة القنوط على فضيلة الرجاء ، فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضاد له 42 . فلو لا الرجاء لما تحرك أحد وسلك طريقه إلى اللّه . إن الرجاء باعث نحو طلب المغفرة من جهة ، والتطلع إلى نيل درجات أعلى ، وبوجه أخص مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية من جهة أخرى .
الأمر الثالث : يتمثل في أن الرجاء يؤكد ، بلا شك ، حسن ظن العبد باللّه .
وهذا ما نصت عليه بعض الأحاديث القدسية فقد روى الأعمشى عن أبي صالح عن أبي هريرة رضى اللّه عنهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يقول اللّه عز وجل " أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني . إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن اقترب إلىّ شبرا اقتربت إليه ذراعا ، وإن اقترب إلىّ ذراعا اقتربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشى أتيته هرولة " 43 .
وقد ورد على لسان مالك بن أنس ، يوم موته ، " إنكم ستعاينون من عفو اللّه تعالى ما لم يكن لكم في حساب " 44 .
وقد ورد كذلك أن أبا سهل الصعلوكى ، رأى أبا سهل الزجاج في المنام حيث قال له : " وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا " . وقد ورد أيضا أن أبا بكر بن أشكيب رأى أبا سهل الصعلوكى في المنام على هيئة حسنة لا توصف ، فقال له : " بم نلت هذا ؟
فقال بحسن ظني بربى . ورؤى مالك بن دينار - في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟
فقال : قدمت على ربي عز وجل بذنوب كثيرة محاها عنى حسن ظني به " 45 .
بقي أن نقول هنا : إن رجاء الصوفية ليس رجاء العاصين ، بل هو رجاء من نوع خاص . إن مقام الرجاء هنا مقام إلهي على حد تعبير ابن عربى . . إن المقام هنا هو مقام من شهد على نفسه بنفسه ، من جهة تقصيره في حق ما تطلبه الحضرة الإلهية ، وهذا التقصير راجع إلى ضعف العبودية .
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
( التغابن : 16 ) ، هذا وجه .
أما الوجه الآخر للرجاء فهو الذي يستحقه الرب على العبد
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( آل عمران : 102 ) .
ويضيف ابن عربى : إن من ترك الرجاء فقد ترك نصف الإيمان ؛ لأن الإيمان