الناس يسألون العصمة ، فإذا عصمتكم فلمن أرحم ؟ وفي رواية فعلى من أتكرم ؟ " 25 .
[ اختلف الصوفية بشأن أىّ الرّجاءين أكمل ]
وقد اختلف الصوفية بشأن أىّ الرّجاءين أكمل : رجاء المحسن ثواب إحسان ، أو رجاء المسىء للمذنب التائب مغفرة ربه وعفوه ؟ طائفة رجّحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه ، وطائفة رجّحت رجاء المذنب ؛ لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل ، مقرون بذلّة رؤية الذنب .
قال يحيى بن معاذ " يكاد رجائي لك مع الذنوب ، يغلب رجائي لك مع الأعمال ، لأنى أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ، وكيف أصفيها وأحرزها ، وأنا بالآفات معروف ، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك ، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف " 26 .
والرجاء والخوف يتعلقان بالمستقبل ، أي أنهما لا يتعلقان بالحاضر ( كما هو الحال بالنسبة للقبض والبسط ) ، أو الماضي ، وإنما يرتبطان بتوقع إما حدوث مكروه في المستقبل ، وهذا هو الخوف ، أو توقع حدوث أمر محبوب ، وهذا هو الرجاء . " إن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمى خوفا وإشفاقا ، وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح ، سمى ذلك الارتياح رجاء .
فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده " 27 . وفي الرسالة القشيرية نطالع : الرجاء تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل . وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان ، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال " 28 .
وما دام الخوف والرجاء يتعلقان بالمستقبل فإنهما يتعلقان كذلك ب " جواز " حدوث الأمر ، سواء كان مكروها أو محبوبا ، فليس ثمة ضرورة أو يقين في حدوث المكروه ، أو المحبوب في المقبل من الأيام ، بل وجود " تردد " في الحدوث أو عدم الحدوث . وعلى ذلك فإن الأمر المقطوع يتجاوز مقامي الخوف والرجاء ، من حيث إنهما طمع في عفو اللّه ورحمته من جهة ، وكرمه وجوده من جهة أخرى .
ومن ثمّ فإن قبول الرجاء لا يتوقف على العبد بل على الرب . يقول الغزالي : من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه . إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف . فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده ، يجوز عدمه لا محالة . فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء ، وتقدير