أن الذي طيب أنفسهم الرجاء ، وإنما طيب أنفسهم الغرّة فتمنوا وظنوا أن ذلك منهم رجاء لربهم عز وجل " 22 .
ويقول يحيى بن معاذ : من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة ، وتوقع القرب من اللّه تعالى بغير طاعة ، وانتظار زرع الجنة ببذر النار ، وطلب دار المطيعين بالمعاصي ، وانتظار الجزاء بغير عمل ، والتمني على اللّه عز وجل مع الإفراط 23 .
يقول الحق سبحانه
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( البقرة : 218 ) ، والمعنى أن المجاهدين والمهاجرين والسالكين إلى اللّه ، يحق لهم " الرجاء " ، أما المغترون فهم أولئك الذين يجدون لذتهم في ارتكاب المعاصي آمنين في عين الوقت أن يدعوا اللّه فيغفر لهم ، مع أنهم لا يملكون مفاتيح الدعاء الحق إلى اللّه ، ومن ثم الطمع في عفوه ومغفرته .
" إن الرجاء هو ما هاج من الطمع والأمل في اللّه عز وجل ، فسخا نفس العاصي بالتوبة ، وحال بينه وبين القنوط ، وبعث العبد على الطاعة للّه عز وجل ، والتشمير والاجتهاد رجاء ما وعد العالمين . والغرّة خدعة من النفس والعدو يذكر الرجاء بالتوحيد أو بالآباء الصالحين ، أو بعمل قليل ضعيف فتطيب نفسه بتلك الخدعة حتى تهون عليه ذنوبه بظنه أنها مغفورة ، فيتمنى المغفرة فيقيم عليها ولا يتوب . فهذا فرق ما بين الغرّة والرجاء " 24 .
على أن الخوف والرجاء يؤكدان ويتضمنان في عين الوقت ، أن الإنسان ليس معصوما من الخطأ ، بل إن الإنسان ، من حيث هو ، هالك ، وما دام الأمر كذلك ، أقصد ما دام الضعف البشرى قائما وما دامت الطبيعة الإنسانية عرضة للزلل فإن الإنسان سوف يظل دائما في حاجة دائمة إلى العون الإلهى بمجالاته المتعددة . . ومن ثم فإن مقامات الخوف والرجاء والمحبة والشوق كلها غاية في الأهمية للسالكين . وفي هذا الصدد نذكر ما تناقلته كتب الصوفية على لسان " إبراهيم ابن أدهم " حيث انتظر فترة من الزمان حتى يخلو المطاف له . . حتى إذا كانت ليلة ظلماء شديدة المطر ، خلا المطاف ، فدخل الطواف سائلا اللّه له العصمة ، وكان أن سمع هاتفا يقول : يا ابن أدهم أنت تسألني العصمة وكل