تشرّع ولم يتحقق فقد تفسّق . فالشريعة والحقيقة متكاملتان ، لأن الشريعة هي أن تعبده والحقيقة أن تشهده ( تعالى ) 16 .
إلا أننا لا ينبغي أن نترك هذا المقام من غير أن نشير إلى أن هناك من الصوفية الذين أكدوا على التكامل بين الشريعة والحقيقة من أشار إلى أن هناك اختلافا في الحكم على بعض الأمور الشرعية بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة . فقد ذكر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى ( المتوفى سنة 628 ه / 1230 م ) أن حكم الصائم الذي يفطر ساهيا لا يجب عليه الإعادة والكفارة ، فإن أهل الحقيقة قد قرروا إنه يجب عليه الإعادة والكفارة 17 .
ويمكن تبرير هذا الموقف من ابن عربى بالقول بأنه كان يرى أن الصوفي الحقيقي ينبغي أن يكون حاضر القلب دائما مع اللّه . ومن المعلوم أن هذا الحضور الدائم للقلب مع اللّه لا يدع مجالا للسهو أو النسيان في مجال العبادة .
وأيا ما كان الأمر ، فإننا قد لاحظنا أن الصوفية قد فرّقوا بين الشريعة والحقيقة في مجال الدين ، باعتبار أن الشريعة تمثل الجانب الظاهري أو البرّانى للدين ، بينما الحقيقة تمثل الجانب الباطني أو الجوّانى له . ولا يقتصر الدين على أحد هذين الجانبين دون الآخر ، وإنما يكون الدين الحقيقي متمثلا في اجتماعهما .
رفض المذهبية الدينية
إذا كان التصوف يمكن أن يمثل رد فعل لمسلك المتكلمين ، وذلك يعد أحد أسباب نشأة التصوف في الحضارة الإسلامية ، فإنه لابد من الإشارة إلى أن السمة المميزة لعلم الكلام هي كثرة الاختلاف والمجادلة بين الفرق الكلامية التي يعارض بعضها بعضا إلى الحد الذي يذهب معه بعض المتكلمين إلى تكفير الخصوم وإن كانوا من المسلمين .
فلقد أنكر الصوفية كثرة الخلاف في الدين والجدال والخصومة بين المتكلمين ، إذ أن مثل هذه الأمور تتعارض تعارضا جوهريا مع حقيقة " التسليم " و " الطاعة " التي يقوم عليها الدين .
أضف إلى ذلك أن بعض الصوفية قد عارضوا إمكان استخدام العقل في المسائل الدينية ، لأن العقل عندهم محدث عاجز لا يدل إلا على محدث عاجز مثله .
كما أن استخدام العقل في المسائل الدينية كان السبب الأساسي وراء اختلاف