تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
المتكلمين في مسائل أصول الدين . ولا ينبغي أن نترك هذا المقام من غير أن نشير إلى أن السمة العامة في الفكر الصوفي هي ذلك التسامح الفكري الذي يكاد أن يتمسك به معظم الصوفية . ومن المعلوم أن التسامح الفكري يقضى على المذهبية الدينية ، وذلك عندما يحدث التقارب بين الفرق والمذاهب الدينية المختلفة . وهنا يمكن الإشارة إلى أن التصوف يمثل همزة الوصل بين مختلف الفرق خصوصا بين أهل السنة والشيعة ، ليس لأن الصوفية من أهل الحلول الوسطى وإنما لأنهم يدفعون بالمريدين بعيدا عن المجادلات والمشاحنات ، ويميلون بهم إلى عدم الانتصار للنفس . ومن ثم ، فقد أصبح التصوف يجمع بين أهل السنة والشيعة ، فضلا عن اعتناق أهل السنة منهم أفكارا شيعية معتدلة ، كأفضلية علىّ . وإذا كانت هذه معتقدات وتصورات قد تسربت إلى أهل السنة من الشيعة عن طريق التصوف ، فإن الإيمان بأزلية النور المحمدي 18 فضلا عن الاعتقاد بظهور المهدى المنتظر ، إنما هي أفكار ذاعت وانتشرت بين أهل السنة وهي أفكار شيعية ، وذلك بتأثير وتوسط من التصوف . بالإضافة إلى ذلك ، فإنه يمكن الإشارة إلى ما أحدثه التصوف من أثر في التشيع ، حيث تمكن التصوف من تخفيف غلواء عداوة الشيعة لأئمة أهل السنة . ونستطيع أن نشير هنا إلى أن مقدرة الصوفية على التوفيق بين الفرق المختلفة ، أو بالأحرى التقريب بينها ، لا ترجع إلى محاربتهم شرور النفس بما في ذلك الغضب والإحن وإثارة الأحقاد فحسب ، وإنما لما في طبيعة التصوف من تناقض ، إنه إذا أمكن اجتماع النقيضين أو بالأحرى انبثاق النقيض عن نقيضه ، وكان ذلك نسقا عاما للتصوف ، فكيف لا يمكن الجمع بين طائفتين من المسلمين ما دام ذلك واقعا ممكنا ؟ وهكذا تمكن التصوف من أن يبدل تصورات الشيعة من أخلاق مغلقة لا تفصح إلا عن روح التعصب والجمود إلى أخلاق مفتوحة يشيع منها التسامح والصفاء ، وما زال التشيع الآن يتأرجح بين تيارين متعارضين : تيار يتقارب مع أهل السنة بفضل علماء الشيعة المتصوفة ، وتيار منغلق يخشى على كيانه من التسامح والانفتاح بتأثير علمائه المتعصبين 19 . خلاصة القول : إن الصوفية قد نبذوا