تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
فهناك باطنية الفلاسفة الذين كان أغلبهم من الشيعة ، والذين مزجوا أقوالهم ببعض الآراء الفلسفية . وهناك باطنية الصوفية ، وهم القائلون بأن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويلا ، إلا أنهم قد انقسموا بدورهم إلى معتدلين ومتطرفين . فالمعتدلون من باطنية الصوفية هم الذين قدموا تأويلات للنصوص لا تبتعد كثيرا عن روح العقيدة الدينية ، والمتطرفون منهم هم الذين ظهرت في أقوالهم بعض آراء باطنية الفلاسفة . وعلى أية حال ، فإن معنى الباطن يبرز في التصوف بوصفه العلم الذي يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها وهي أعمال القلوب ، وهي أعمال حقيقية . ولذا ، فقد سمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسموا من عداهم أهل الظواهر وأهل الرسوم . ونستطيع هنا أن نشير إشارة عابرة إلى النزعة الباطنية عند الصوفية ، تلك النزعة التي تتجلى في تأويل النصوص الدينية تأويلا روحيا ، أو في النظر إلى الشعائر الدينية نظرة روحية تبعدها عن المعنى الظاهر لها . فإذا أردنا أن نتحدث عن تأويل النصوص الدينية عند الصوفية ، فإنه يمكن الإشارة إلى أن تفسير القرآن عند الصوفية كان يقوم عندهم على التأويل الباطني للآيات ، مع اختلاف الصوفية عن الشيعة الباطنية في طريقتهم الجديدة التي نهجوها في التأويل وهي طريقة الاستبطان ، تلك الطريقة التي تقوم أساسا على تكرار تلاوة النص مع حضور القلب وجمع الهمة والاشتغال بما هم فيه دون غيره ، بحيث يتصف القلب بصورة المقروء ويتلوّن بلونه فيفرح للوعد أو يحزن للوعيد . ويبدو أن تأويل الصوفية للنصوص الدينية بهذه الطريقة ، أي عن طريق الحضور الدائم للقلب مع اللّه أثناء تلاوة النص ، قد يعتبر من قبيل العلوم الإلهامية التي يحصل عليها الصوفية عن طريق المجاهدات الروحية . وقد يتأكد لنا ذلك إذا أشرنا إلى ما ذكره أحد الصوفية المعتدلين عندما أشار إلى أن مشايخ الصوفية أحكموا أساس التقوى وتعلموا العلم للّه تعالى ، وعملوا بما علموا لموضع تقواهم فعلمهم اللّه تعالى ما لم يعلموا من غرائب العلوم ودقيق الإشارات واستنبطوا من كلام اللّه تعالى غرائب العلوم وعجائب الأسرار 10 .