تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
ويمكن توضيح ذلك بالقول بأنه إذا تلا الصوفي القرآن تلاوة فهم على النحو الذي وصفناه ، تفتحت له معانيه رويدا رويدا ، وزادت وضوحا مع ازدياد مرات التلاوة ، وانكشفت له " الحكمة " التي هي جماع الأسرار الباطنية المودعة في النصوص . ويبدو أن هذا هو ما يفهمه الصوفي من قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
( البقرة : 151 ) . قالوا : ( الكتاب ) اسم لظاهر القرآن و ( الحكمة ) اسم لباطنه . وقد ذكر بعض الباحثين في قوله تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
( البقرة : 269 ) . إن الحكمة هي الفهم في كتاب اللّه عز وجل 11 . فالحكمة عندهم أو ( الفهم ) كما يسميها أوائل الصوفية ليست نوعا من العلم يكتسب بالنظر العقلي ، بل هي العلم الباطن الذي يلقى في القلب إلقاء ويدرك القلب حلاوته ذوقا . وبذلك تتقابل حكمة الصوفية وحكمة الفلاسفة تقابل الأضداد 12 . وإذا كنا لا نود أن نستطرد في الحديث عن النماذج التي قدمها الصوفية لتأويل النصوص الدينية ، وذلك حتى لا يطول بنا الحديث في هذه المسألة أكثر من اللازم ، فإننا نود أن ننتقل إلى الإشارة الموجزة عن نظرة الصوفية الروحية أو الباطنية إلى العبادات والشعائر الدينية . فلقد نظر الصوفية إلى العبادات والشعائر الدينية نظرة باطنية ، وذلك عندما فرقوا بين الظاهر والباطن في هذه الأمور فقرروا أن ظواهر هذه العبادات والشعائر إنما هي ما يكلّف به العامة بالإضافة إلى الخاصة أو خاصة الخاصة الذين لا يقفون عند هذه الظواهر بل يتعدونها إلى ما وراء الظواهر من أمور تتعلق بأفعال القلوب ونوايا النفوس . والحقيقة أن الأمثلة التي توضح ذلك 13 إنما هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذا المقام ، وإنما نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى التفرقة الصوفية بين أفعال الجوارح وأفعال القلوب . فصوم العوام مثلا إنما هو الامتناع عن شهوتىّ البطن والفرج ، وصوم الخواص هو بالإضافة إلى ذلك الامتناع عن أداء المحرمات على وجه العموم ظاهرية كانت أو باطنية ، أما صوم خواص الخواص ، فهو الامتناع عن التفكير في كل ما سوى اللّه ، أو بالأحرى إفراغ القلب تماما من كل ما سوى اللّه .