ولكن ينبغي أن نستطرد هنا فنشير إلى أنه إذا كان ذلك هو الإطار العام لموقف الصوفية في مسألة الظاهر والباطن ، فإنه لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض الصوفية الذين ابتعدوا عن الروح الدينة الصحيحة قد أهملوا شأن الظواهر لكي يعلوا من شأن الباطن ، فأهملوا أداء التكاليف الشرعية بحجة أنها مجرد أمور ظاهرية . إلا أن هذه الفئة القليلة لا يمكن أن تمثل الإطار العام للفكر الصوفي ، لأنها مجرد فكرة ضالة أو خارجة عن نطاق الدين الصحيح .
الشريعة والحقيقة :
ويتصل بموضوع الظاهر والباطن عند الصوفية موضوع آخر يتعلق بما يسمى " الشريعة والحقيقة " . وهو موضوع يتعلق بالعلاقة بين الفقه والتصوف ، أو بين التكاليف الشرعية ومدارج الطريق الصوفي بما فيه من أحوال ومقامات .
فإذا كان المقصود بالشريعة هو الأوامر والنواهي الإلهية الواردة في النصوص الدينية ، فإن الحقيقة في مصطلح الصوفية تعنى إقامة العبد في محل الوصال إلى اللّه ووقوف سره على محل التنزيه . وقيل : الحقيقة سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه تعالى 14 .
ولا يعنى ذلك أن هناك انفصالا تاما بين الشريعة والحقيقة ، إذ يقرر بعض أعلام الصوفية المعتدلين أن الشريعة علم واحد يدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة ، فلا يجوز أن يجرّد القول في العلم بأنه ظاهر أو باطن ، لأن العلم متى ما كان في القلب فهو باطن فيه إلى أن يجرى ويظهر على اللسان فهو ظاهر ولا يستغنى الظاهر عن الباطن ، كما لا تستغنى الشريعة عن الحقيقة . فالباطن أو الحقيقة علم مستنبط من الشريعة الظاهرة 15 .
ويكاد يجمع الصوفية على القول بأن " كل علم عن طريق الكشف والإلقاء ( أي يلقى في روع المؤمن ) يأتي بحقيقة تخالف شريعة متواترة ، فإن ذلك العلم وهذا الكشف لا يعوّل عليه ، أما إذا كان هذا العلم هو علم حقيقة يوافق شريعة فهو صحيح ، فإذا ردته الشريعة ، فلا يعوّل عليه " . ومن الملاحظ أن الصوفية على وجه العموم لا يرون أن هناك انفصالا بين الشريعة والحقيقة ، وإنما يقررون إنه لا استغناء بأحدهما عن الآخر ، فلا حقيقة بلا شريعة ولا شريعة بلا حقيقة ، لأنه من تحقق ولم يتشرّع فقد تزندق ، كما أن من