في معلوم باختيار منه وإيثار ؛ لأنه ينحجب لموضع اختياره . والذي أشرنا إليه منسلخ من إرادته فلا يحجبه المعلوم " 44 .
إذن فمن تحرى الحلال في مأكله وملبسه ، وتورع عن الهجوم والدخول في معلوم باختياره ، وانتظر الإذن من الحق سبحانه ، وجاهد نفسه حتى سكنت عنها هواجسها ، هو من يملك القدرة العملية على التمييز بين الخواطر ، ولكن هذا الامتلاك على الحقيقة يتفاوت بحسب :
الهمة ، والطلب ، والإرادة والحظ من اللّه الكريم .
فإذا لم يكن أمل آحاد الناس مقطوعا من القدرة على تمييز خواطره ، لأن مدار الأمر ليس على فقد عامة المسلمين لإمكانية التمييز بين الخواطر أو أهليتهم لذلك ، بل على إدراكهم لأهميته في صلاح أنفسهم أو فسادها وشغلهم النفس بالتحري قبل إمضاء الخاطر أو الإحجام عنه .
ولكن ما أسباب الاشتباه في الخواطر ؟
لقد حدد السهروردي ( ت 632 ه ) أسبابا أربعة للاشتباه في الخاطر لا خامس لها عنده ، وهي : " إما ضعف اليقين ، أو قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها ، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى ، أو محبة الدنيا : جاهها ومالها وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس . فمن عصم عن هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان . ومن ابتلى بها لا يعلمها ولا يطلبها . وانكشاف بعض الخواطر دون بعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض .
وأقوم الناس بتمييز الخواطر أقومهم بمعرفة النفس ، ومعرفتها صعبة المنال ، لا تكاد تتيسر إلا بعد الاستقصاء في الزهد والتقوى " 45 .
وإذا كان الأمر مرتهنا بمعرفة المرء بمدى أهمية الأمر ؛ لأن الشيطان ما نال ممن نال منهم إلا من قبل أهواء أنفسهم ، ولولا ذلك لازدادوا قربا بوسوسة الشيطان ؛ ذلك أنه كلما دعاهم إلى المعصية عصوه طاعة للّه " 46 فهو مرتهن كذلك بهمته وبمدى رضاه عن نفسه حتى إن ابن عجيبة ( ت 1266 ه ) يرجع السبب في بقاء العيوب البشرية في الإنسان إلى : " الغفلة عن البحث عنها ، وسبب الغفلة عنها هو الرضا عن النفس إذ لو أساء ظنه بها بحث عن