تعالى بالحقيقة إلا أن بعضها يجوز أن يكون بغير واسطة ، وبعضها بواسطة ، فما كان بغير واسطة - وهو خير - فهو الخاطر الرباني ، ولا يضاف إلى اللّه تعالى إلا الخير أدبا ، وما كان بواسطة ، وهو خير - فهو الخاطر الملكي وإن كان شرا فإن كان بإلحاح وتصميم على شيء معين - فيه حظ النفس - فهو الخاطر النفساني وإلا فهو الشيطاني 24 .
وليس هذا رأيا خاصا بالتهانوى وإنما صرح به غيره من الصوفية فالدارانى ( ت 215 ه ) يقول : كيف يخفى عليه ما في القلوب ولا يكون في القلوب إلا ما يلقى فيها أفيخفى عليه ما هو منه 25 .
ويصرح الواسطي ( ت 320 ه ) بأنه لما كانت الأرواح والأجساد قامتا باللّه وظهرتا باللّه لا بذواتها ، كذلك قامت الخطرات والحركات باللّه لا بذواتها ، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح 26 .
فهو هنا يصرح بالمبدأ أو بالقاعدة التي قام عليها هذا التقسيم .
ويرى الإمام الشعراني ( ت 973 ه ) أن من أخلاق المريدين الصادقين : شهودهم ببادئ الرأي ، إذا وسوس لهم إبليس بمعصية وفعلوها ، أن ذلك من تقدير اللّه - عز وجل - بواسطة إبليس من حيث كونه آلة في ذلك . كما أن وسوسة إبليس لهم بالمعصية عن تقدير اللّه على إبليس كذلك بواسطة المزاج الذي ركبه اللّه عليه . فلا يضيف أحدهم الوسوسة إلى إبليس ؛ فإن ذلك معدود من الشرك الخفي باللّه - عز وجل - وما رأيت لهذا الخلق ذائقا من أهل عصري إلا القليل ، وقد قال اللّه تعالى :
* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
ليكون قوله : شيئا " عامّا " فيشمل شرك النفس وإبليس في العمل 27 .
وبناء على ما يذهب إليه أهل السنة جملة من أن الباري تعالى هو الخالق للخير والشر حيث الحقيقة إلا أنه لا ينسب إليه إلا الخير تأدبا ، كما يوضحه الإمام البيجورى : ( ت 1198 ه ) : ومع أن الفعل خيره وشره للّه فالأدب أن لا ينسب له تعالى إلا الحسن ، فينسب الخير للّه والشر للنفس كسبا ، وإن كان منسوبا للّه إيجادا قال تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
( النساء : 79 )